غزة-الأناضول
نور أبو عيشة
لم يتوقع الشاب محمد السمّاك أن يكون تخرجه من الجامعة بمثابة نهايةً لأحلامه وطموحاته، التي بناها في مخيلته منذ سنوات طفولته الأولى.
السمّاك الحاصل على شهادة جامعية في علم الإحصاء، كان يعتقد أن تخصصه مطلوبٌ في سوق العمل وأنه سيجد عملاً حال تخرجه بلا عناء، لكنه فعليا وجد نفسه اليوم ينضم، رغما عنه، لجيوش العاطلين عن العمل.
لكن ثمّة أمل يراود الشاب الفلسطيني اليوم، بعدما سمع عن جهود وزارة التربية والتعليم في غزة، لابتعاث أعداد من الخريجين الجامعيين للعمل في بعض الدول العربية، كأحد الحلول المطروحة لمعالجة مشكلة البطالة.
وتشكّل البطالة أزمة كبيرة في المجتمع الغزّي، نظرا لصغر مساحة القطاع وافتقاده للموارد الطبيعية، والكثافة السكانية العالية.
ويرفع معدل البطالة العالي، الذي يقترب في صفوف الشباب من 40%، نسبة الفقر في القطاع إلى 70% من عدد السكان.
ويقول خبراء اقتصاد إن قطاع غزة لا يمتلك أي ثروات طبيعية تعينه على تلبية احتياجات سكانه.
ويضيف بعض خبراء البيئة، ربما على سبيل السخرية، أن الثروة الطبيعية الوحيدة التي يمتلكها القطاع تتمثل بالرمال الصفراء المستخدمة في مجال البناء، والتي لا تدر أي دخل حقيقي.
كما أن الغزّيين محرومون من الاستفادة من ثروات البحر المتوسط، نظرا للحصار البحري الذي تفرضه إسرائيل.
ولعل من المفارقة أن تمثل نسبة التعليم العالية في القطاع مشكلة كبيرة، حيث تقترب نسبة الأمية من "الصفر"، وتخرج الجامعات والمعاهد "في داخل القطاع وخارجه" أعدادا هائلة من الخريجين الذين لا يجدون أي فرصة حقيقية للعمل.
فعلى سبيل المثال، أعلنت وزارة التعليم في الآونة الأخيرة عن وجود وظائف شاغرة لنحو 300 مدرس، فتقدم لها حوالي 26 ألف خريج جامعي، حسبما قال لـ "الأناضول" معتصم الميناوي، مدير العلاقات الدولية في الوزارة.
لكن فكرة العمل في الخارج تواجه العديد من العراقيل، حيث تحتاج لاستعداد من بعض الدول العربية لاستقبال العمالة الغزية.
وفي هذا الصدد، يؤكد الميناوي أن هناك مراسلات تجري مع عدة دول عربية لاستيعاب عمالة من قطاع غزة.
وذكر أن هناك وعودا من عدة دول لاستيعاب العمالة من غزة، كـالبحرين وتركيا وقطر وليبيا.
وأكد أن الوزارة تسعى لأن يكون الخريجون الذين ستستوعبهم الدول العربية على قدر عالٍ من الكفاءة والتميز.
وأردف الميناوي قائلا "الفئة المستهدفة في هذا الاتفاق هي فئة الخريجين الشباب من سن 27 عاما إلى 40 عاما، وسيخضع الخريجون لقوانين العمل في الدول المستضيفة".
من جانب آخر، شدد الخبير الاقتصادي، معين رجب، على الأهمية الكبيرة لفكرة "العمل في الخارج"، مضيفا "غزة منذ أن كانت تتبع لمصر وهي تعاني من مشكلة البطالة".
وأوضح أن دول الخليج العربي كانت تستوعب الكثير من عمالة القطاع، خاصة في مجال التدريس، مشيرا إلى أن حال غزة الآن يعود إلى العهد السابق.
وذكر رجب أن هجرة الكفاءات من القطاع إلى دول عربية وسيلة مهمة لحل مشكلة البطالة، بالرغم من أن استفادة الدولة من كفاءة هذه الخبرات "أولى".
ودعا رجب الوزارات الأخرى أن تحذوا حذو وزارة التربية والتعليم، للمساهمة في امتصاص جزء من البطالة.
وأكد أنه من الضروري تشجيع هذه الخطوة، التي سيكون لها مردود إيجابي على المستوى المعيشي والحياتي للشباب، مشيراً إلى أن العمالة التي ستعمل بالخارج ستخرج "بطريقة طوعية".
ويشيد أحمد الدلو، المحاضر في مجال التنمية البشرية والمشاريع، بفكرة العمل بالخارج، ويرى أنها "وسيلة تقلّص من نسبة البطالة، خاصة وأن دول الخليج بحاجة إلى أيادٍ عاملة "منتجة بإبداع".
ويعتقد الدلو أن من أهم أسباب البطالة في غزة "الحصار، وعدم وجود رؤية واضحة من القطاع العام والخاص للنهوض بالاقتصاد المحلي".
وأضح أنه من الضروري أن تكون عقود "الإعارة"، عقوداً مؤقتة، بحيث يسافر "الخريج" الفلسطيني إلى الخارج ليأخذ الخبرة ويستفيد اقتصادياً، ومن ثم يعود إلى القطاع ليكون عاملاً منتجاً فيه.
وحثّ الدلو الخريجين الشباب الذين لن تسنح لهم الفرصة من الاستفادة من هذا النظام، أن يبدؤوا بحل مشكلة البطالة "ذاتياً"، من خلال تنمية مهاراتهم في مجال تخصصاتهم.
ويكاد يجمع الشباب الفلسطيني العاطل عن العمل على تأييد فكرة الإعارة في الخارج، نظرا لشح الوظائف وصعوبة الحصول عليها.
فتقول هناء المدلل، وهي خريجةُ قسم اللغة العربية وتبلغ من العمر 29 عاماً، أنها منذ 6 سنوات لم تجد وظيفةً تناسب تخصصها كمدرسة لغة عربية.
وتضيف "البطالة تؤثر سلبياً على حياتنا الاقتصادية، وساهمت في زيادة معدل الفقر في القطاع".
أما خريج تخصص الرياضيات من كلية التربية، عبد العزيز شقير الذي يبلغ من العمر 25 عاماً، فيقول إن "البطالة المتفشيّة بين الشباب لا تؤهلهم للزواج والاستقرار حتّى بعد سن الثلاثين، ناهيك عن عدم قدرتهم على توفير احتياجات الأسرة الأساسية".
ومن الجدير ذكره أن وزارة العمل في حكومة رام الله أرسلت عددا محدودا من الموظفين في قطاع الزراعة والمياه إلى سلطنة عمان للعمل هناك.
وجاءت هذه الخطوة بعد تشاور الوزارة مع عدة دول عربية لإعارة عدد من الموظفين الموجودين في قطاع غزة والضفة الغربية منذ شهرٍ تقريباً .