سارة آيت خرصة
الرباط – الأناضول
يحمل قربته الجلدية، وقد ملأها بماء معطر، يشد وثاق قبعته المزركشة بألوان تنتقل من الأحمر الفاقع إلى الأصفر الباهت، يرتدي سترته التي زينت بتطريز مغربي بالغ الدقة، يلتقف جرسه النحاسي، ثم ينقل الخطو بعيدًا عن باب منزله.
هكذا يحل" القراب" ضيفًا على أزقة الرباط العتيقة، لقبه ينسبه المغاربة إلى كل "ساقي الماء" صاحب قربة جليدية، فأينما وقع بصر الناظر على أبواب المساجد كما بالقرب من الكتاتيب، تجد "القراب" وقد مد لكل عابر كوب ماء، يروي عطشه، ويعطر به فمه، مقابل دراهم يجود بها الشارب وتليها سيل من الدعوات يلهج بها لسان "القراب".
"منذ أزيد من 55 سنة وأنا أمارس هذه المهنة، ألفني أهل المدينة واعتادوا على رشف الماء من أكوابي النحاسية خاصة في أيام الحر القائظ" يقول عمر (70 سنة)، يقطع حديثه داعيًا نسوة يعبرن الشارع لتذوق ماء قربته الجلدية، فهو - حسب قوله - بارد وطيب المذاق يروي ظمأ العطشى، تستجيب النسوة لدعوته ويتناوبن على شرب الماء تباعًا من أكواب "عمر القراب" النحاسية .
وتعد مهنة القراب أحد أقدم المهن التي كان يزاولها بعض المغاربة داخل أسوار المدن وفي أحيائها العتيقة، فحيث غابت حنفيات المنازل أو احتاج المتجول في المدينة أيام الحر إلى السقاية، حضر القراب وقد أعلنت عن قدومه أصوات ناقوسه النحاسي الذي يرافقه في حله وترحاله بين دروب المدينة العتيقة.
"هذه المهنة ورثها عن والدي، الذي كان يعلمنا قيمة سقاية الناس وسر محبتهم، فالماء الذي نقدمه هو سر الحياة على هذه الأرض، وتكفينا في بعض الأحيان عبارات الشكر، عن أداء بعض الدريهمات " يضيف عمر، الذي يقول إن الإقبال على ماء قربته قد تضاءل في الآونة الأخيرة، ومرد ذلك – حسب قوله - انتشار قنينات المياه المعدنية، وتزايد مخاوف الناس الصحية.
لكن عمر الذي أضحى بعد سنوات من العمل يجر الخطو بصعوبة، يصر على أن ماء أكوابه النحاسية التي نقشت عليها آيات قرآنية، ماء مبارك، يعيد ذكرى تراث الأجداد وتاريخهم مع أول رشفة منه تقع في جوف الشارب.
ويعد القراب بشخصيته الفريدة الملازمة لصورة المدينة العتيقة، وبلباسه التقليدي المزركش تعبيرًا عن شخصية مغربية فلكلورية طافحة بالدلالات والرموز، فصور القراب تحتل مساحات واسعة في البطائق التذكارية السياحية، بل ويحرص بعض القادمين إلى المغرب من السياح على التقاط صور إلى جانب القراب، بل إن شخصيته التراثية المميزة بنواقيسها الذهبية كانت موضوعًا لروايات مغربية وأخرى فرنسية، وإبداعًا فنيًا جسدته ريشات بعض الرسامين.
أما في أحياء المدينة العتيقة بالرباط وبالقرب من جامعها الأعظم، جلس عمر بعد انقضاء صلاة العصر، ينتظر خروج جموع المصلين، وقد عادت أصوات أجراسه تصدح داعية لشرب رشفة ماء "مع اقتراب حلول فصل الشتاء، يبدأ عدد المقبلين على ماء قربتي المعطر يتضاءلون، ويؤثر ذلك على مدخولي اليومي بشكل كبير، وبعض القرابين ينتقلون لامتهان حرف أخرى" يقول عمر الذي يصر على تحمل ضعف الدخل إلى حين أن تستكمل فصول السنة دورتها، ويحل الصيف فتنتعش "تجارة الماء".
"في كل ركن من أزقة الرباط، لي ذكرى، عايشت مختلف التحولات التي عرفتها المدينة منذ زمن الاستعمار" يقول عمر، وقد أمعن النظر في أحد أبواب المدينة القديمة، فسنوات عمله الخمسة والخمسين، جعلت منه ذاكرة متنقلة تؤرخ لمراحل تطور مدينة الرباط، ومظاهر توسعها العمراني، الذي يوشك أن يقضي على حرفة سجل صاحبها تواريخ خالدة من عمر المدينة، أيام الاحتلال وزمن الاستقلال، وسنوات تلته بكل أحداثها السياسية والاجتماعية.
ويحذر بعض المهتمين بتراث المدينة المغربية من اندثار هذه المهنة التي تتجاوز الحاجة إليها لساقية المارة إلى التعبير عن هوية الشخصية المغربية، ويعد القراب أحد أبرز المكونات التي شكلت فضاء المدينة وأسواقها، بل وأصبحت جزءًا من عادات الناس وطقوسهم، فالروايات تقول إن النساء الحوامل فيما مضى كن يعتقدن أن شرب ماء القراب يجلب الحظ والبركة لمولودهن المرتقب.
أما عمر فلا ينهي يومه دون زيارة كتاتيب الأطفال، الذين تقافزوا حول قربته، يردد البعض مازحًا أغاني شعبية تتغنى بالقراب وقبعته، ويطلب آخرون كوب ماء، يستجيب الشيخ عمر لشغب الأطفال، يروي عطشهم، ثم ينسحب من أمام الكُتاب.