فاروق توقاد وعادل الثابتي
تونس- الأناضول
قال مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي التونسي إن الدستور المقبل سيؤكد على الهوية العربية الإسلامية لتونس وبما لا يمنع انفتاحه على القيم الإنسانية الأخرى من الحرية والمساواة والديمقراطية والحداثة ، معتبرا أن التخويف من تأثير حركة النهضة على مضمون الدستور "فزّاعة ستنجلي عندما نصادق على الصياغة النهائية".
وفي حديث مطول خاص لمراسلي وكالة الأناضول للأنباء، أكد رئيس المجلس التأسيسي التونسي (بمثابة برلمان مؤقت) على أن التوافق هو سيد الموقف في تونس داخل الإئتلاف الحاكم وخارجها، محذرا من أن "القدح" في شرعية المجلس نابع من عدم الاعتراف بنتائج انتخابات 23 تشرين الأول- أكتوبر 2011 بالنسبة للبعض، وبالتالي من يطالب بإسقاط الحكومة اليوم فهو يؤمن بسياسة الأرض المحروقة.
وتطرق بن جعفر للمخاوف المتصاعدة من التيار السلفي في تونس قائلا "الديمقراطيات ليست محمية من ظهور أشكال للتطرف وبروز النازية من جديد في عديد المناطق الأوروبية شاهد على ذلك".
وأضاف " السلفيين كانوا موجودين ولكن لا يظهرون بحكم استبداد النظام وهم نتيجة ذلك الاستبداد، وبالتالي فإن معالجة الأزمة السلفية لا تتم إلا بالحوار إلا في حالة استخدام العنف.
ونالت وسائل الإعلام جانبا من انتقادات مصطفى بن جعفر الذي قال "إن وسائل الإعلام بقيت في نفس الأيدي التي تسيرها زمن بن علي وهذا الوضع لن يخرجه منه إلا الإعلاميين أنفسهم ويتطلب وقتا".
من جهة أخرى قال بن جعفر إن تركيا اليوم باتت قوة اقتصادية وسياسية يحسب لها ألف حساب مشددا على أن الشعب التونسي الذي تربطه علاقات تاريخية مع تركيا أصبح يقرر اليوم مصيره بنفسه.
*هل فتحت الثورة آفاقا جديدة للعلاقات الخارجية التونسية، وكيف ترون أسس هذه العلاقات؟
- لا شك أن صورتنا في الخارج لدى الأجانب هي أفضل بكثير من صورتنا لدى مواطنينا تلك الصورة التي يصنعها الإعلام السمعي ووالبصري والمكتوب، فنحن عندما نلتقي بمسؤولين خارج البلاد نجدهم ينظرون إلينا كمثال ونموذج للثورة السلمية والانتقال الديمقراطي الذي يسير على السكة السوية وهذا اعتراف للمجتمع التونسي وللشباب الذي قام بالثورة .
ونحن نسعى دائما الى تلميع صورة تونس وترديد ما كنا نقوله في العهد السابق ان االمجتمع التونسي قادر على بناء الديمقراطية باقل التكاليف لمجتمع التونسي وله مؤهلا كسب الرهان.
وحزب التكتل الديمقراطي بحكم نضالاته السابقة وأيام الجمر وبحكم موقعه الدولي وعلاقاته بالاحزاب الاشترالكية والمنظمات التقدمية له امكانيات خدمة تونس ونحن نعتبر أن الفضاء الاوروبي لنا معه علاقات قديمة يجب المحافظة عليها. ونحن نهتم بمنطقة المغرب العربي الكبير الذي نعتبر أن بناءه مهمة رئيسية للاجيال القادمة.
* كيف ترى طبيعة العلاقات مع تركيا؟
أرى ان العلاقة بين تونس وتركيا مدعوة إلى أن تكون احسن مما كانت عليه فلاسباب متعددة :أولها أن القرار في تونس أصبح بيد الشعب التونسي الذي له علاقات تاريخية مع تركيا وثانيها هو ما أشرت إليه من تقارب التجارب من حيث وصول أحزاب ذات مرجعية دينية الى دفة الحكم رغم الفوارق بين النموذجين وثالث سبب هو المركز المهم والمتصاعد لتركيا على المستوى الاقليمي والدولي فتركيا اليوم أصبحت قوة سياسية واقتصادية يحسب لها ألف حساب في الفضاء الاورو آسيوي ولا شك أن لها طموحات في لعب دور كبير و تطمح أن تبني علاقاتها في كل الاتجاهات بداية بالفضاءات الاسلامية.
* وماذا عن قضية التيار السلفي؟
-كانت هذه الظاهرة موجودة زمن بن علي لكنها مغمورة، فالنظام الاستبدادي لا يسمح ببروز أي ظاهرة خارجة عن سيطرته هذا مع غياب الحوار الذي هو علاج كل المشاكل، فبالرفع من مستوى الحوار والتثقيف السياسي والديني نحصل على نتائج على المستوى المتوسط والبعيد، إلا ان العنف تجب معالجته بالقانون وأرى أنه يجب استدراج هؤلاء الى الحوار.
ولا ننسى أن التطرف ليس خاصية المجتمعات العربية والاسلامية بل نجد أيضا صعودا للتيارات المتشددة كالنازية في بعض المجتمعات الغربية.
*أين وصل المجلس الوطني التأسيسي في المهمة الأساسية التي انتخب من أجلها وهي كتابة الدستور؟
- تقدمنا خطوات مهمة في كتابة الدستور فكما تتذكرون منذ الجلسة الاولى للمجلس الوطني التاسيسي في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 بعد تركيز مؤسسات رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والمصادقة على قانون المجلس انطلقنا في منتصف فبراير د شباط بدأت الأشغال اللجان التأسيسية المكلة بصياغة الدستور ومنذ ذلك الوقت انطلقت اللجان في تحديد المحاور الاساسية ثم جلسات انصات للاستماع الى آراء أهل الذكر من خبراء وشخصيات وطنية في المحاور المتدارسة وكذلك تمكين المجتمع المدني وكل مكن له رأي في الموضوع من المساهمة في النقاش.
وقد توصلنا بمقترحات دساتير من لجنة الخبراء ومن الاتحاد العام اتونسي للشغل وغيرها من المقترحات من جامعيين ومواطنين وتمكنا في نهاية المطاف من إعداد المسودة الاولى في شهر أغسطس /آب الماضي قبل العطلة النيابية وبعد العطلة التي كانت قصيرة انطلقنا في أشغال هيئة التنسيق والصياغة ومن جمع رؤساء ومقرري اللجان الست التي اشتغلت على الدستور ورئيس المجلس والمقرر العام والمقررين المساعدين الخميس 11 أكتوبر / تشرين أول اتممنا المحور الخامس ولم يبق سوى المحور الأخير الخاص بالسلطة التنفيذية والتشريعية وهو متعلق بطبيعة النظام السياسي.
وسيتم نقاش هذا المحور في الأسبوع القادم وعندها سيكون مشروع الدستور جاهز للنقاش العام من قبل كل النواب.
النقاش العام في البداية سيكون محورا ثم يحال فيما بعد على هيئة التنسيق والصياغة لتأخذ بعين الاعتبار كل مقترحات النواب وتنطلق في الأخير في الصياغة النهائية لمشروع الدستور ويتم نقاشه فصلا فصلا.
ولم يحصل توافق بين الاطراف السياسية في المجلس وكذلك بين عناصر الترويكا.
* هناك اتهامات لحركة النهضة بمحاولة كتابة دستور يتناقض مع قيم الحداثة، كيف سيكون هذا الدستور؟
- نعم وسيكون هذا الدستور متجذرا في هوية الشعب التونسي العربية الإسلامية ومنفتحا على القيم الكونية في الحرية والديمقراطية والمساواة بين الجميع وخاصة المساواة بين المرأة والرجل وسيعكس صورة المجتمع التونسي المنفتح على الحضارات الأخرى والتخويف الذي يعتمده البعض سيكون مجرد وهم فهناك أطراف تتبادل التخويف، فمن خلال المسودة الأولى توضح أن الأمور الأساسية ضمنت في مشروع الدستور وأن كل المخاوف التي أثيرت والفزاعات التي أثيرت لم تكن في محلها وهذا لا يعني عدم وجود نقاش ساخن لكن في النهاية تنتصر ثقافة التوافق في المجتمع التونسي.
والوفاق وصلنا له مع حركة النهضة وهي الحزب الأقوى اليوم ومع غيرها وبعض الاختلافات تشق حتى صفوف النهضة والمهم أنه خلال النقاش نجد أن وجهات النظر تقع مراجعتها. والبحث عن الوافق هي خاصية مشتركة لا يتميز بها طرف عن الآخر وهذا ما يدفعني شخصيا إلى التفاؤل.
* هناك رأي يقول إن التجاذبات السياسية تساهم في تعطيل أعمال المجلس ما رأيك؟
- هذا واضح خاصة أن أشغال المجلس تبث على الهواء عبر التلفزيون الوطني لكن ما ساهم في ما يعتبره البعض بطء في صياغة الدستور هو أن المجلس الوطني التأسيسي لم يكتف بمهمة صياغة الدستور بل له ما هم أخرى مثل مناقشة مشاريع القوانين والمصادقة عليها والنظر في الاتفاقيات التي تبرمها تونس وكذلك مراقبة عمل الحكومة والكل يعلم حساسية الحوار مع الحكومة في جلسات منتظمة وبعضها استثنائي، وعند عقد جلسة تتحول إلى جلسات كذلك الشأن في مناقشة مشاريع القوانين.
وكل هذا الوقت هو على حساب الوقت المخصص لكتابة الدستور ولو اقتصرت مهمة المجلس على صياغة الدستور لتم ذلك في 6 أشهر والملفت للانتباه هو أن أطرافا عديدة توجّه اللوم الى المجلس على انه يتباطأ وتنسى مسؤوليتها في تعطيل العمل والمبالغة في النقاش والمطالبة بنقاط النظام والمطالبة بالجلسات الاستثنائية، وهي أسباب رئيسية تفسر كل هذا الوقت الذي اخذناه قبل تقديم مسودة الدستور في شهر أغسطس / أب ولكننا رغم ذلك وبشهادة المراقبين الأجانب نحن أنجزنا مهامنا في وقت عادي إذا لم يكن سريعا.
* كيف تفسر ما يجري داخل المجلس من تهديدات بالإضراب عن الطعام واستقالات لنواب؟
- صحيح أن بعض الممارسات تدفع إلى الاستغراب لكن حيال هذه الظواهر لا بد أن نقول: أنه أولا ذلك ما أفرزته صناديق الاقتراع من نواب بما فيهم من خصال ونواقص، وثانيا إن كل المجتمع يعيش تجربة جديدة في الديمقراطية لم تكن لنا سابقة فلقد كان كل شيء يسير وفق التعليمات التي تاتي من أعلى هرم السلطة ولا يناقش أحد، ولم يكن القانون سيد الموقف وفجأة بعد الثورة انبلج الصبح وانفتحت آفاقا جديدة للعمل السياسي وللبناء ولكن أيضا للتجاوزات وهذا ما يجعلنا ننسب الأشياء .
ولكن ما دفع إلى الاستغراب هو أن ممثلي الشعب وممثل السلطة الأصلية في البلاد، فالنواب اختارهم الشعب، يلجؤون إلى إضراب الجوع وهذا يبدو غير طبيعي رغم ما نكنه من احترام لهذه الأساليب النضالية التي تعبر اكثر عن اليأس.
أما بالنسبة للاستقالات من المجلس التأسيسي فلا علم لي بهذا وإدارة المجلس لم يصلها أي طلبات في الموضوع وانا أأسف إن حصل مثل هذا الأمر، غريب أن يلجأ نائب أعطاه الشعب ثقته إلى الاستقالة.* كيف تقييم الحديث عن فقدان المجلس للشرعية بعد تاريخ 23 أكتوبر/ تشرين أول ؟
- الحديث عن فقدان المجلس للشرعية بعد 23 اكتوبر/ تشرين أول قضية سياسية، فالقدح في شرعية المجلس التأسيسي والمؤسسات التي انبثقت عن صندوق الاقتراع يوم 23 أكتوبر/ تشرين أول هو يترجم عن عدم قبول نتائج تلك الانتخابات والحجج التي يقدمها أصحاب هذا الراي ليست إلا غلاف لهذا الرفض المستبطن.
ولكن في تونس والحمد لله هناك عقلاء متمسكون باستقرار البلد وهم ساعون إلى البحث عن التوافق وفي مقدمة هؤلاء الاتحاد العام التونسي للشغل ومبادرته، فالأمين العام للاتحاد يصرح ان المبادرة هي للبحث عن التوافق وهي رسالة للجميع وتسهيل لعمل المجلس الوطني التاسيسي.
* وكيف ستتعاملون مع هذا الوضع بين المروجين لفقدان الشرعية ومن يدعمها؟
- المطالبون باسقاط الحكومة اعتبروا مبادرة الاتحاد امتصاصا للاحتقان وهم من دعاة سياسة الأرض المحروقة، وهذا توجه آخر ليست له حظوظ كبيرة للنجاح في تونس والدليل على ذلك أن أغلب المنظمات التي لها ثقل نجدها تتحدث عن الحلول لا إضافة مزيد من التوتر للوضع
* هناك استحقاقات قادمة منها الانتخابات الرئاسية القادمة ماذا قررتم أنتم؟
من مميزات التكتل (حزب بن جعفر المشارك في الترويكا الحاكمة) أنه رفض الدخول في حملة انتخابية سابقة لأوانها خلاف عديد الأطراف الأخرى.
إن المهمة الاساسية اليوم التي تجمع كل من يحب هذا الوطن هي انجاح هذا المسار والاستعداد للانتخابات القادمة، وعندما نكون في المرحلة الاخيرة وانطلاقا من تقييم موضوعي لمآل الساحة السياسية سنحاول مواصلة العمل في خدمة البلد، وإن شاء الله سيكون لحزب التكتل موقع متميز لأنه يجمع مناضلين ومناضلات لهم كفاءة كبيرة.
ورغم ما نتلقاه من ضربات وكثرة اللغط حولنا مما ادى الى استقالة حتى بعض المناضلين الصادقين فإننا نحظى بمصداقية كبيرة لدى الرأي العام.
*بالنظر إلى هذا الخيار الصعب هل دفع التكتل كلفة انخراطه في حكومة الترويكا؟
- لقد كانت التكلفة ضخمة على الحزب ويمكن تفسير ذلك بموقعنا في الخارطة السياسية للبلاد، فنحن مستهدفين من عدة أطراف، من الذين نتقاسم نفس الساحة الفعل السياسي المشتركين معنا في نفس المرجعية من وسط اليسار الاجتماعي ومن الاطراف التي تؤاخذنا على افشالنا لمشاريعها في إعادة النظام القديم وهي القوى المضادة للثورة من اتباع النظام السابق.
* هناك من يرى أنكم حدتم عن مبادئ الحزب في مساركم السياسي بعد الثورة وخاصة بعد انخراطكم في حكومة الترويكا ماذا ترى؟
هم يخلطون بين مواقفنا كشريك في الحكم ملتزم بحد أدنى من أخلاقيات العمل المشترك وبين مواقفنا المتشبثة بمبادئنا التي نعبر عنها يوميا في المجلس وستنعكس في كتابة الدستور.
وعند المصادقة على الدستور يكون الحساب صحيحا وموضوعيا وعندها فقط يمكن الحكم علينا إن تخلينا عن مبادئنا أو لا.
news_share_descriptionsubscription_contact
