القاهرة – الأناضول
أصاب قرار المحكمة الدستورية العليا الداعي لحل البرلمان المصري والرافض لاستبعاد الفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسي المحسوب على نظام حسني مبارك السابق من السباق الرئاسي الساحة السياسية في مصر بما وصفه سياسيون وخبراء بـ"زلزال سيدخل البلاد نفقًا مظلمًا".
وتصاعدت حدة الاستقطاب التي تشهدها مصر قبل يومين من انطلاق جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية المصرية، بعد صدور القرار الذي فجر جدلاً بين السياسيين حول تداعياته على الانتخابات الرئاسية ولجنة تأسيس الدستور، وبين القانونيين الذين اختلفوا في تفسيره.
ووقف بالقرب من المحكمة مئات النشطاء الذين كانوا يطالبون بالحكم بدستورية قانون العزل السياسي ورددوا هتافات مناوئة لشفيق بعد صدور الحكم وهتفوا "يسقط يسقط حكم العسكر" ورفع بعضهم أحذية.
وفصلت بين النشطاء والمحكمة أسلاك شائكة وضعتها القوات في الشارع الذي يحاذي النيل ووقفت وراء الأسلاك الشائكة القوات التي تحرس المحكمة التي أصدرت الخميس 14 يونيو/ حزيران الجاري حكمًا بعدم دستورية قانون العزل السياسي لرموز النظام السابق، وهو ما يترتب عليه استمرار المرشح أحمد شفيق المحسوب على النظام السابق في خوض جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة أمام منافسه المرشح الإخواني محمد مرسي.
كما قضت المحكمة بعدم دستورية انتخاب ثلث أعضاء غرفتي البرلمان، مجلسي الشعب والشورى، بالنظام الفردي وهو ما يترتب عليه، بحسب المتحدث باسم المحكمة الدستورية ماهر سامي، "حل مجلس الشعب وإعادة الانتخابات على جميع مقاعده".
وتحولت التجاذبات بين السلطات في مصر بعد صدور القرار إلى صراع، فقد أعلن المستشار فاروق سلطان، رئيس المحكمة الدستورية العليا، أن المحكمة أرسلت حكم حل مجلس الشعب بالفعل إلى الجريدة الرسمية وتم نشره في عدد اليوم، ومن ثم أصبح واجب النفاذ حسب ما ينص عليه قانون المحكمة الدستورية.
ولكن المهندس أشرف ثابت، وكيل المجلس، أكد تعليقًا على ذلك بأن البرلمان مستمر في عقد جلساته مشددًا على أن الفصل في عضوية أعضاء مجلسى الشعب والشورى وفقًا للقانون الذى أعده مجلس الشعب هى محكمة النقض فقط.
واختلف فقهاء قانونيون في تفسير قضاة المحكمة الدستورية العليا في مصر لحكمها بشأن عدم دستورية القانون الذي أجريت بمقتضاه انتخابات البرلمان المصري. ففي الوقت الذي صرح فيه قضاة بالمحكمة بأن الحكم واجب النفاذ حاليًا ويترتب عليه حل مجلس الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان) ملمحين إلى أنه يقع تنفيذه على المجلس العسكري القائم بأعمال رئيس الجمهورية، قال فقهاء قانون إن الحكم لا يمنح أي جهة سلطة حل البرلمان، وإنما يتم تنفيذه عن طريق لجوء المتضررين إلى محكمة النقض للحصول على أحكام بطللان عضوية استرشادًا بحكم المحكمة الدستورية. وقال المستشار ماهر سامي، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا والمتحدث باسمها، بعد ساعة من صدور الحكم ظهر اليوم: إن الحكم الخاص بعدم دستورية انتخاب ثلث أعضاء الغرفة الأولى للبرلمان "ينصرف على المجلس كله، ما يعني حله بالكامل". وأضاف سامي أن الحكم واجب التنفيذ فورًا دون الحاجة إلى إجراءات تنفيذية أخرى.
غير أن المستشار طارق البشري، الفقيه الدستوري، ونائب رئيس مجلس الدولة السابق، أكد أنه ليس في مقدور المجلس العسكري، أن يسترد السلطة التشريعية التي فقدها في 23 يناير الماضي، بانعقاد أولى جلسات مجلس الشعب؛ لأنه لم يرد في الإعلان الدستوري ما يمكنه من استرداد ما فقده.
ويرى الخبراء والسياسيون أن القرار يعيد ترتيب الخريطة السياسية في مصر بعد عام ونصف من "ثورة 25 يناير".
وحذر عصام العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين والنائب بالبرلمان من دخول نفق مظلم، وقال: "إذا تم حل مجلس الشعب فستدخل البلاد في نفق مظلم والرئيس القادم ليس أمامه لا برلمان ولا دستور".
بدوره وصف القيادي بجماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة محمد البلتاجي التطورات الأخيرة ومن بينها حكم المحكمة الدستورية العليا بأنه "انقلاب كامل الأركان". وقال البلتاجي، وهو عضو بالبرلمان، في صفحته على موقع فيس بوك: "براءة كل مساعدي وضباط الداخلية، ثم الأزمة المصطنعة مع القضاء، ثم إعطاء الضبطية القضائية للشرطة العسكرية والمخابرات الحربية، ثم حل البرلمان المنتخب وفقًا لقانون أصدره المجلس العسكري، وإعطاء خاتم المشروعية الدستورية لترشح السيد شفيق قبل بدء الجولة الثانية بأقل من 48 ساعة، والحديث عن تشكيل المجلس العسكري للجنة الدستور يساوي انقلابًا كامل الأركان، يشطب أشرف ستة عشر شهرًا في تاريخ هذا الوطن".
وحذر سياسيون وخبراء من خطورة تداعيات القرار وتوقيت صدوره الذي جاء قبل يومين من انطلاق جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية المصرية المقررة 16 و17 يونيو/ حزيران الجاري حيث سيترتب عليه وضع "صلاحيات فرعونية مطلقة" في يد الرئيس المقبل لمصر، والذي سيكون السلطة الوحيدة الشرعية والمنتخبة في البلاد بعد القرار الوشيك بحل البرلمان.
وقال السياسي المصري محمد البرادعي: "انتخاب رئيس في غياب دستور وبرلمان هو انتخاب رئيس له سلطات لم تعرفها أعتى النظم الديكتاتورية"، مطالبًا بوقف جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة وتشكيل حكومة وحدة وطنية واختيار رئيس بشكل مؤقت.
وفي المقابل قررت جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية العدالة ذراعها السياسية استمرار مرشحهما و"بقوة" في الانتخابات الرئاسية المقررة في 16 و17 يونيو/ حزيران الجاري، وأكد مرسي أنه يتقبل حكم المحكمة الدستورية من حيث الشكل، وأشاد منافسه شفيق بالحكم واصفًا إياه بـ"التاريخي"، وقال في مؤتمر صحفي إن "رسالة هذا الحكم التاريخي هي أنه أنهى عصر تصفية الحسابات كما ذهب بلا رجعة أسلوب تفصيل القوانين واستخدام مؤسسات الدولة لتحقيق أهداف فئة معينة" في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تتمتع من خلال حزب الحرية والعدالة المنبثق عنها بالأكثرية في مجلس الشعب الذي قضت المحكمة الدستورية العليا بحله.
ويعقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يتولى السلطة في مصر منذ إسقاط نظام حسني مبارك في 11 شباط/ فبراير 2011، جلسة طارئة لبحث تداعيات حكم المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب، وأوضحت مصادر أنه قد يعلن "استعادته للسلطة التشريعية إلى حين إجراء انتخابات تشريعية جديدة".
وأكد المجلس الأعلى للقوات المسلحة في وقت لاحق أن جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية ستتم فى موعدها المقرر يومى 16 و17 يونيو الجارى وسط تأمين كامل من رجال القوات المسلحة والشرطة المدنية.