كوثر الخولي
القاهرة - الأناضول
يشهد شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة هذه الأيام حملة تجديدات وتواجدًا أمنيًّا مكثفًا من السلطات المصرية بعدما عانى الإهمال والتخريب في الفترة التي تلت ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011؛ مما دفع منظمة اليونيسكو للتهديد برفع الشارع من قائمة التراث العالمي، والذي سجّلته على قائمتها في العام 1979.
وشارع المعز لدين الله الفاطمي هو الشارع الرئيسي الذي شيّده الفاطميون عام 972 ميلادية، للمرور لمدينة القاهرة القديمة وسمي قبل ذلك بشارع "بين القصرين"، وشارع المعز به ثلاثة أبواب أثرية هي: باب النصر، وباب زويلة، وباب الفتوح.
أصحاب محلات شارع المعز استقبلوا يومهم الجديد، الخميس، بحركة غير عادية من أفراد للشرطة المصرية الذين تواجدوا بشكل مكثف، بينما شرع عمال شركات النظافة يغسلون أرضيات الشارع بالماء والصابون، وموظفو الحي يشرفون على تقليم أشجار الشارع العتيق.
ويفسّر مجدي السواح، صاحب محل لبيع "الأنتيكات" الإسلامية (القطع الأثرية المقلدة) ذلك قائلا: "هناك نية لإعادة الشارع إلى سابق عهده، بعد أعمال التخريب التي تعرض لها عقب الثورة"، مشيرًا إلى أن البوابات الإلكترونية للشارع، ووحدات الإضاءة به تعرّضت للسرقة والتخريب.
ويعد شارع المعز لدين الله أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، بحسب ما يقول الأثريون، ويقع في منطقة الأزهر بالقاهرة الفاطمية، وسبق أن تم ترميمه عام 2008. ويزخر الشارع - الذي جرى تبليطه بالجرانيت الأسود الأسواني - بأكثر من 33 أثرًا إسلاميًّا منها؛ مجموعة قالوون، ومجموعة السلطان الغوري، وقصر الأمير بشتاك، وباب النصر، وباب الفتوح، وسور القاهرة، والمدرسة الكاملية.
هذا بالإضافة إلى جامع ابن طولون، قصر الأمير طاز، وجامع المؤيد شيخ، وسور البلد، ومسجد الحاكم بأمر الله، وزاوية أبو الخير الكليباني، ومسجد السلحدار، وجامع الأقمر، وسبيل وكتاب عبدالرحمن كتخدا، وحمام أنيال، ومسجد السلطان برقوق، ومسجد الناصر محمد، وبقايا مدرستي الظاهر بيبرس والصالح نجم الدين، وسبيل وكتاب خسرو باشا، ومسجد الأشرف برسباي، فضلا عن منطقة بيت القاضي، وغيرها.
ونتيجة للتواجد الأمني، اضطر "عم صابر" صاحب عربة لبيع "الفول والطعمية"، الأكلة الشعبية للمصريين، للتواري عن الأنظار، وانتقل من مكانه - الذى احتله منذ شهور في شارع المعز - إلى إحدى الحارات الضيقة المتفرعة من الشارع القديم، ملتفاً حوله عدداً من الراغبين في تناول طعام الإفطار.
على الجانب الآخر من الشارع، وقفت ثلاث طالبات في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، تضعن لوحة الرسم على يمين الشارع، تجلس إحداهن على الرصيف لترسم أحد المباني الأثرية التي يزخر بها الشارع بزخرفته الجميلة.
سائحون بملامح غربية كانوا يتجولون في الوقت نفسه في الشارع الذي يبلغ طوله أكثر من 1000 متر مربع، وقف أحدهم أمام بائع للشيشة (النرجيلة)، يتفاوض معه على السعر، بينما تقف إحدى السائحات مبهورة بـأحد الأوشحة المعلقة أمام أحد المحال، بألوانه الدافئة وملمسه المخملي، محتارة أي الألوان تختار الأحمر الغامق مع البني، أم الأزرق الذي يحوي نقوشًا زهرية.
على باب "متحف النسيج المصري"، في المنطقة، وقفت مجموعة من طلبة كلية الآثار بجامعة القاهرة يستمعون إلى شرح الأستاذة الجامعية، حول محتويات المتحف الذي يضم الأجنحة؛ القبطية والإسلامية، الأموية والعباسية والطولونية، كما يحوي جناح كسوة الكعبة والجناح المملوكي والعثماني.
مفارقة يلحظها السائرون عند دخول الشوارع المتفرعة من شارع المعز، مثل شارع الجمالية، وحارة الدرب الأصفر، وحارة المبيضة وغيرها، حيث يد الإهمال تعبث في الشوارع والبيوت، وتجد أكوام القمامة على جنبات شوارع الحارات الضيقة غير المرصوفة، والتي لا تخلو من المباني الأثرية.
وتمتد المفارقة أيضا في هذه الحارات الضيقة إلى وجوه الناس البائسة؛ فهذه سيدة تقف في طابور الخبز، تنتظر دورها، وهذا صاحب مقهى شعبي يبدو عليه ضيق الحال، عكس جيرانهم أصحاب المحلات التجارية في الشارع التاريخي الذي يبدو عليهم "يسر الحال"، ورغم ذلك يجمعهما "خفة دم ابن البلد المصري"، بسخريته على كل ما يدور حوله.
وحول قيمة هذا الشارع التاريخية ومشروع التجديدات الذي بدأت وزارة الاثار الشروع فيه، يقول محمد عبد العزيز، مدير مشروع "القاهرة التاريخية": "يمثل شارع المعز لدين الله المحور الرئيسي للقاهرة التاريخية، وهو أقدم شارع علي الإطلاق في مصر ويربو عمره علي 1045 عامًا، وقام بتخطيطه جوهر الصقلي، عندما أرسله المعز لدين الله لفتح مصر ويضم بين جنباته 33 أثرا متنوعا، وتمتد المنطقة علي جانبيه، وتتركز به أغلب الخدمات الحرفية والتجارية، وأهم المعالم الأثرية والتاريخية، كما تتفرع منه أهم الحارات والشوارع ذات القيمة الأثرية ولاتزال تحتفظ مباني المنطقة بطابعها المتميز عبر التاريخ وتتصف ببنية عمرانية ومعمارية وثقافية وأنشطة ووظائف متنوعة من جزء آخر".
وأضاف عبد العزيز لمراسلة "الأناضول": "التعديات على الآثار المصرية، هي أكثر ما تواجهه مصر من تحديات في الفترة ما بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011؛ مما دفع اليونيسكو للتهديد برفع مشروع (القاهرة التاريخية) والذي يقع شارع المعز في إطاره من قائمة التراث العالمي".
وتضم قائمة التراث العالمي، بحسب موقع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، ما مجموعه 878 من الممتلكات، منها 679 ممتلكا ثقافيا، و174 طبيعيا، و25 مختلطا، والمجموع موزَّع في 145 دولة على مستوى العالم، نصيب مصر منها 7 مناطق تراثية. وأشار عبد العزيز إلى أن هذا الأمر دفع محمد إبراهيم علي، وزير الدولة لشؤون الآثار المصري، إلى تشكيل لجنة لدراسة سبل رفع كفاءة شارع المعز لدين الله الفاطمي، ولإعادة المظهر الجمالي للشارع.
وأضاف أن الوزارة قامت باستحداث وحدة للمعلومات والتوثيق تقوم بإصدار ونشر الكتب والمطبوعات والأفلام التسجيلية، والتي توثّق وتسجّل مراحل ترميم الأثر، إلى جانب استحداث وحدة الصيانة مهمتها الإشراف على برامج وخطط الصيانة المختلفة، اليومية والأسبوعية والشهرية، فضلا عن أعمال الصيانة السنوية على المواقع الأثرية التي تم ترميمها من قبل.
يذكر أن وزارة الدولة لشؤون الآثار المصرية تسعى لإنشاء موقع إلكتروني خاص بمشروع القاهرة التاريخية، لتزويد الباحثين والدارسين والمهتمين بالعمل الأثري بكافة المعلومات المطلوبة عن الموقع.
والمعز لدين الله الفاطمي، هو المعز أبو تميم معدّ بن منصور، وهو أول الخلفاء الفاطميين في مصر، والإمام الرابع عشر من أئمة الإسماعيلية، حكم من 953 حتى 975 م، ومؤسس الأزهر الشريف، وأرسل قائده العسكري جوهر الصقلي للاستيلاء على مصر من العباسيين فدخلها وأسس مدينة القاهرة بالقرب من الفسطاط، أول عاصمة لمصر والتي أنشاها عمرو بن العاص.
وتعد مقولة "سيف المعز وذهبه" من أشهر المقولات التي يرددها المصريون حتى الآن، والتي تعني "الترهيب بالسيف والترغيب بالذهب"، والتي قالها المعز لدين الله الفاطمي عندما سألوه عن نسبه وخاصة بعد تصريحه أن نسله يعود إلى بيت النبوة، فما كان منه إلا أن رد عليهم بأن ألقى كومـًا من ذهب وقال: "هذا نسبي، ثم جذب نصف سيفه من غمده، وقال: وهذا حسبي".
news_share_descriptionsubscription_contact
