القاهرة/ ربيع أبو زامل/ الأناضول
في أواخر نوفمبر/ تشرين ثانٍ 2017، منح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، رئيس أركان الجيش ووزير الداخلية مهلة ثلاثة أشهر للقضاء على الإرهاب في منطقة سيناء (شمال شرق)، لكن بعد مرور أكثر من شهر، شهدت مصر هجمات إرهابية نوعية اتخذت تكتيك "الذئاب المنفردة" في ثلاث مناطق، بينها العاصمة القاهرة
و"الذئاب المنفردة" هو مصطلح يستخدم لوصف من ينفذون بشكل فردي هجمات إرهابية اتباعا لفكر تنظيم "داعش"، لكنهم ليسوا ضمن هيكله التنظيمي.
ومهلة الرئيس المصري يفسرها خبير عسكري بأن السيسي لديه من المعلومات ما مكنَّه من تحديدها (المهلة) للقضاء على الإرهاب في سيناء، بينما يطرح خبير في شؤون الجماعات المتشددة نظرة متشائمة مفادها أن "داعش" يتوحش ويتمدد في مصر، بالتوازي مع ظهور أفرع إرهابية لتنظيمات أخرى.
وشهدت مصر، يوم الجمعة الماضي، هجوم على كنيسة بمنطقة حلوان، جنوبي القاهرة، أسقط عشرة قتلى، بعد ساعات من إعلان الجيش مقتل ستة عسكريين وثلاثة مسلحين، في مواجهتين منفصلتين بمحافظة شمال سيناء، فضلاً عن مقتل ثلاثة آخرين في هجوم بمحافظة بني سويف (وسط).
وتبنى "داعش" هذه الهجمات، بجانب استهداف مطار مدينة العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، بقذيفة من نوع متطور، أثناء زيارة وزيري الدفاع والداخلية للمدينة؛ ما أدى إلى مقتل ضابط وتضرر طائرة عسكرية.
** مهلتان وحملتان في 4 سنوات
في خطاب له يوم 29 نوفمبر/ تشرين ثانٍ الماضي، أمهل السيسي كلا من رئيس أركان الجيش، محمد فريد، ووزير الداخلية، مجدي عبد الغفار، ثلاثة أشهر للقضاء على الإرهاب بسيناء.
في هذا الخطاب شدد السيسي على ضرورة استخدام "القوة الغاشمة" في مواجهة الإرهاب، وذلك بعد خمسة أيام من استهداف مسجد "الروضة" بسيناء، ما أسقط 311 قتيلا وعشرات الجرحى، في هجوم لم تتبنه أية جهة، رغم وجود مؤشرات تفيد بمسؤولية "داعش" عنه.
تلك المهلة، التي من المفترض أن تنتهي بالتزامن مع انطلاق ماراثون الانتخابات الرئاسية، مطلع مارس/ آذار المقبل، ليست الأولى التي يعلنها السيسي للقضاء على الإرهاب في سيناء.
ففي فبراير/ شباط 2015 طالب السيسي الفريق أسامة عسكر، القائد السابق للقيادة الموحدة لمنطقة شرق القناة في الجيش (شمال شرق) بالقضاء على الإرهاب بسيناء، وذلك بعد هجوم استهدف، في 29 يناير/ كانون ثانٍ 2015، كتيبة عسكرية في العريش، ما أسقط عشرات القتلى.
ومنذ سبتمبر / أيلول 2013، تشن قوات مشتركة من الجيش والشرطة حملة عسكرية موسعة، لتعقب من تسمهم بالعناصر "الإرهابية والتكفيرية والإجرامية"، في محافظات عديدة، وخاصة سيناء.
وأعلنت مصر، في سبتمبر/ أيلول 2015، عملية عسكرية شاملة باسم "حق الشهيد"، في مناطق رفح والشيخ زويد والعريش بشمال سيناء، واستمرت مرحلتها الأولى شهرًا، تلاها تدشين "المرحلة الثانية" من العملية، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لبدء أعمال التنمية بسيناء.
ومع حلول عام 2017 هدأت حدة العمليات الإرهابية بسيناء، إثر تنسيق أمني بين القاهرة وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة الفلسطيني، وكذلك الضربات الأمنية التي تعرضت لها التنظيمات المسلحة في سيناء.
** مخاوف أمنية
في 16 ديسمبر/ كانون أول 2017، حذَّر وزير الداخلية المصري، خلال اجتماع أمني موسع، من احتمال سعي إرهابيي شمال سيناء إلى التسلل إلى عمق المدن المصرية، بسبب الحصار المفروض عليهم في سيناء، واشتداد ضربات الجيش على معاقل الجماعات المتطرفة.
آنذاك قال عبد الغفار إن "الأحداث المتلاحقة التي تشهدها المنطقة تتطلب المراجعة المستمرة، وتقويم الخطط الأمنية وتطويرها، لتحقيق رؤية شاملة للعمل الأمني"، وشدد على ضرورة "تكثيف الأمن في محيط دور العبادة المسيحية، وتمشيط محيط الكنائس بشكل متواصل".
فيما حذر حاتم صابر، عقيد متقاعد بالجيش وخبير في مكافحة الإرهاب، في لقاء متلفز السبت الماضي، من أنه "خلال 6 أشهر المقبلة ستشهد مصر حراكا إرهابيا، لمحاولة التأثير على السلم والاستقرار في الدولة".
وتابع: "فهناك شراسة لإثبات أن مصر لا تستطيع تأمين نفسها، وذلك سبب قرار الرئيس السيسي بوضع مهلة لسحق الإرهاب بشمال سيناء، فهو يريد استباق الهجمات الإرهابية، ودحر ظاهرة الإرهاب".
** هجمات إرهابية منذ المهلة
منذ بداية مهلة الثلاثة أشهر، شهدت مناطق مصرية عديدة، بينها سيناء، هجمات إرهابية.
أبرز هذه العمليات، وفق مصادر أمنية وبيانات رسمية، هي: إحباط الجيش، أواخر نوفمبر/ تشرين ثانٍ 2017، هجومين على مقرين أمنيين بالعريش، دون وقوع ضحايا، وضبط مخزن لمقذوفات مضادة للدبابات وقذائف هاون وسط سيناء.
وفي 19 ديسمبر/ كانون أول 2017، أعلن الجيش، مقتل ضابط وإصابة اثنين آخرين في إطلاق قذيفة على مطار العريش بشمال سيناء، خلال زيارة وزيري الدفاع والداخلية للمدينة، في هجوم تبناه "داعش".
بعدها بيوم قُتل ضابط بالجيش وخمسة مسلحين، في اشتباكات قرب مطار العريش.
وفي 28 ديسمبر/ كانون أول الماضي أعلن الجيش مقتل ستة عسكريين وثلاثة مسلحين، في مواجهتين منفصلتين، شمالي سيناء.
وفي اليوم ذاته قُتل ثلاثة أشخاص في هجوم مسلح نفذه مجهولون على محطة تحصيل رسوم، بالطريق الصحراوي الغربي في محافظة بنى سويف (وسط)، وفق وسائل إعلام محلية.
وصباح الجمعة الماضي قُتل عشرة أشخاص في هجومين جنوبي القاهرة أحدهما على كنيسة.
** فرص إنهاء العنف
الخبير في شؤون الجماعات المتشددة، كمال حبيب، قال إن فرص إنهاء الإرهاب في سيناء "ضعيفة"؛ لأن "الدولة غير موجودة بالمرة في المثلث ما بين رفح والعريش والشيخ زويد".
وتابع حبيب، في حديثه للأناضول، أن "التنظيمات الإرهابية تنشط وتتمدد حيث الفراغ الذي تتركه الدولة، على غرار ما يحدث منذ سنوات في ليبيا وسوريا والعراق واليمن".
وبشأن مهلة الثلاثة أشهر رأى أنه "لا يوجد شيء اسمه إنهاء الإرهاب في ثلاثة أشهر، السيسي يريد أن يقول إننا جادين في مكافحة الإرهاب على مستوى القول، لكن على مستوى الفعل لا يحدث شيء".
واستدل حبيب في حديثه عن ضعف فرص القضاء على الإرهاب خلال ثلاثة أشهر بأن "هناك تحد رئيس واستراتيجي يواجه الدولة ممثل في تنظيم داعش بسيناء، وتوحشه منذ صيف 2014".
وشدد على أن "مسألة مواجهة الإرهاب تحتاج إلى استراتيجية مخالفة تماما لتلك التي يعمل بها الجيش المصري حاليًا".
ومضى قائلا إن "داعش له ثلاثة مراكز، المركز الرئيس هو أرض الخلافة من وجهة نظره ممثلة في سوريا والعراق، والآن بعد أن فقد مركزه الرئيس ينشط في الولايات، وسيناء هي إحدى هذه الولايات".
وحذر من "وجود احتمالات بتسلل مقاتلين أجانب من سوريا والعراق بأسلحتهم، وعلى رأسها صواريخ (كورنيت وتاو)، إلى سيناء".
وشدد على أن "الظروف الموجودة (في مصر)، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، تغذي استمرار مثل هذا التنظيم، خاصة في سيناء، إضافة إلى تنظيمات أخرى، مثل القاعدة في الواحات (غرب)، ووجود تشكيلات أخرى في الدلتا (شمال) وغيرها".
وعقب إعلان هزيمة "داعش" في سوريا والعراق، نوفمبر/ تشرين ثانٍٍ الماضي، تواترت تقارير إعلامية عن تسلل بعض عناصره إلى سيناء، عقب "صفقة (مدينة) الرقة (السورية)"، التي أبرمت بين ما تسمى بـ"قوات سوريا الديمقراطية" و"داعش"، برعاية أمريكية.
** تراجع إرهابي
مقابل حديث حبيب، رأى اللواء متقاعد بالجيش المصري، الخبير العسكري، نصر سالم، أن "الإرهاب بسيناء بدأ يتراجع".
قبل أن يستدرك محذرًا، في حديث للأناضول، من "خطورة تكثيف العمليات الإرهابية خلال الفترة المقبلة في سيناء".
واعتبر سالم أن فرص إنهاء أزمة سيناء تتمثل "في تحديد الرئيس السيسي مهلة للقضاء على الإرهاب؛ نظرًا لكونه قائدا أعلى للقوات المسلحة ولديه معلومات عن حجم وقدرات العناصر الإرهابية ونشاطها ومن يقف ورائها، وكذلك لديه معلومات كاملة عن قدرات القوات المسلحة وقوات إنفاذ القانون".
وتابع أن "يد القوات المسلحة كانت مغلولة في تعاملها مع الإرهابيين، لاتخاذهم أهالي سيناء دروعًا بشرية في المواجهات الأمنية، وبالتالي الجيش لا يخاطر بإصابة وقتل أحد من أبناء سيناء".
وفسر سالم ذلك بـ"بقيام السلطات بإخلاء مناطق سكان يتعرضون لمضايقات الإرهابيين في الشيخ زويد والعريش ورفح إلى منطقة بئر العبد، الموجود بها مسجد الروضة"..
ومنذ أكتوبر/ تشرين أول 2014، تعمل السلطات المصرية على إنشاء منطقة عازلة على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة، وتحديدا في مدينة رفح، من أجل مكافحة الإرهاب، بحسب السلطات.
ورأى الخبير العسكري أن "النظام يخشى أن يستهدف النظام سكان سيناء، وبالتالي حينما يضرب الجيش والشرطة بالقوة الغاشمة في كل شبر في سيناء فلن يزيد عما يفعل الإرهابيين بحق الأهالي".
واتهم سالم الولايات المتحدة الأمريكية بـ"دفع الإرهابيين إلى سيناء لتحقيق أكبر خسائر في مصر، وللتخلص من تلك العناصر حتى لا يعودوا إلى بلدانهم الأصلية عن طريق ضربات الجيش المصري لتلك العناصر".
وفي أكتوبر/ تشرين أول 2017، أعلنت الحكومة المصرية تمديد حالة حظر التجوال للمرة الـ13 لمدة ثلاثة أشهر، في بعض مناطق مدينتي رفح والعريش، وذلك حتى انتهاء حالة الطوارئ المعلنة بالبلاد يوم 10 يناير/ كانون ثان الجاري.
news_share_descriptionsubscription_contact
