جنوب لبنان/ وسيم سيف الدين/ الاناضول
** رئيس بلدية الضهيرة، عبد الله الغريب:- الوضع كارثي والبلدة تحولت إلى ركام بعد تدمير شامل من قبل الجيش الإسرائيلي الذي عاد بعد الحرب ونسف المنازل الصالحة للسكن- الاحتلال الإسرائيلي اقتلع الأشجار، خاصة أشجار الزيتون المعمرة التي تجاوز عمر بعضها المئة عام- البلدة كانت تضم نحو 650 وحدة سكنية، وأربعة مساجد، ومدرستين، وثلاث آبار ارتوازية—كلها دُمرت بالكامل** المزارع عدي أبو ساري:- الضهيرة من أولى البلدات التي نزح سكانها بسبب الحرب لقربها من موقع عسكري إسرائيلي- نعيش بلا خدمات. لا كهرباء ولا ماء، والوضع الزراعي مشلول. نريد أن نزرع أرضنا ونبني بيوتنارغم مرور أكثر من شهرين ونصف على دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين "حزب الله" وإسرائيل حيز التنفيذ في 18 فبراير/ شباط الماضي، لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل منطقة الضهيرة الفوقا، الواقعة ضمن خراج بلدة الضهيرة الحدودية جنوب لبنان، مانعةً الأهالي من العودة إلى أراضيهم ومنازلهم.
وتعد الضهيرة الفوقا جزءا من الأراضي اللبنانية المعترف بها دوليا، إلا أن إسرائيل تواصل احتلالها في خرق واضح لبنود التهدئة التي رعتها الأمم المتحدة وأطراف دولية، وسط صمت قوات حفظ السلام الدولية "يونيفيل"، وعدم وجود تحرك ملموس من المجتمع الدولي.
ووفق إفادات السكان المحليين، تسيطر إسرائيل بالنار على طريقين حيويين في المنطقة، دون وجود فعلي لقواتها فيهما؛ الأول يربط بين اللبونة وجبل بلاط، والثاني بين العديسة وكفركلا، ما يفاقم عزلة السكان ويمنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومنازلهم الواقعة ضمن نطاق الاحتلال.
خروقات متكررة
هذا التصعيد يضاف إلى سلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للقرار الدولي 1701، وسط امتعاض واسع بين الأهالي الذين يجدون أنفسهم محرومين من مصدر رزقهم وأرضهم.
ويؤكد السكان أن الواقع الميداني المفروض بالقوة يهدد الاستقرار الهش في الجنوب، وينذر بتثبيت واقع احتلالي جديد إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل، ليعيد الحقوق إلى أصحابها، ويُلزم إسرائيل بتنفيذ ما تعهدت به بموجب الاتفاقات الدولية.
وكان من المفترض أن تنسحب إسرائيل بشكل كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة بحلول 18 فبراير/شباط 2025، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لكنها نفذت انسحاباً جزئياً فقط، ولا تزال تحتفظ بخمس تلال لبنانية رئيسية ضمن المناطق التي احتلتها خلال الحرب الأخيرة، ما يبقي التوتر قائماً.
وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، شنت إسرائيل عدوانا على لبنان تحول إلى حرب واسعة في 23 سبتمبر/ أيلول 2024، ما أسفر عن أكثر من 4 آلاف قتيل ونحو 17 ألف جريح، إضافة إلى نزوح نحو مليون و400 ألف شخص.
ومنذ عقود تحتل إسرائيل أراضي في لبنان وفلسطين وسوريا، وترفض الانسحاب منها وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود ما قبل حرب 1967.
الضهيرة بلدة منكوبة
تقول صابرين فنش، وهي من سكان الضهيرة الفوقا، للأناضول: "بلدتنا منكوبة بالكامل، لا نستطيع الوصول إلا إلى وسطها. نُمنع من دخول أطراف البلدة وإعادة إعمار منازلنا، ولا نمضي حتى يوم راحة في أرضنا".
وتضيف: "رغم أن هناك حاجزا للجيش اللبناني واليونيفيل على بُعد أمتار من مدخل البلدة، إلا أن الإسرائيليين حوّلوا الضهيرة الفوقا إلى منطقة عازلة يمنع علينا حتى الاقتراب منها".
وتعبر فنش عن مخاوفها قائلة: "نشعر بالخوف من العودة، فلا أمان هناك، ونحتاج إلى ضمانات حقيقية للعودة والعيش بأمان".
وناشدت السلطات اللبنانية النظر بحالهم قائلة: "مازلنا نازحين في مدارس خارج البلدة، ونعاني من انعدام الكهرباء والمياه وشح المساعدات".
المزارعون ممنوعون من أراضيهم
المزارع عدي أبو ساري أوضح أن الضهيرة من أولى البلدات التي نزح سكانها بسبب الحرب لقربها من موقع عسكري إسرائيلي.
وقال للأناضول إن "نصف البلدة ما زال محتلا ولا أحد يتحرك، ولا نعلم ما هو مصيرنا".
وأضاف: "نحن نعيش بلا خدمات. لا كهرباء ولا ماء، والوضع الزراعي مشلول. نريد أن نزرع أرضنا ونبني بيوتنا ونثبت وجودنا في هذه الأرض، لكن نخشى حتى وضع منازل جاهزة خشية استهدافها".
بلدة بلا مقومات حياة
من جهته، يقول غسان الصالح، أحد أبناء الضهيرة: "لم يعد هناك بلدة، بل مجرد ركام. لو كنت أملك المال لأعدت بناء منزلي، لكنني لا أملك شيئا. الوضع تعيس، ولا توجد مقومات للحياة".
ويصف رئيس بلدية الضهيرة، عبد الله الغريب، الوضع بـ"الكارثي"، مشيرا إلى أن "البلدة تحولت إلى ركام بعد تدمير شامل من قبل الجيش الإسرائيلي الذي عاد بعد الحرب ونسف المنازل الصالحة للسكن".
وأكد للأناضول أن الجيش الإسرائيلي جرف المنازل بالجرافات وحتى الأشجار لم تسلم منه، اقتلعها من جذورها وخاصة أشجار الزيتون المعمرة التي تجاوز عمر بعضها المئة عام.
وأضاف: "البلدة كانت تضم نحو 650 وحدة سكنية، وأربعة مساجد، ومدرستين، وثلاث آبار ارتوازية، كلها دُمرت بالكامل".
وأشار إلى أن عدد سكان الضهيرة في الظروف الطبيعية يتراوح بين 2200 و2500 نسمة، معظمهم يعتمدون على الزراعة.
"لكن اليوم، لا كهرباء، لا ماء، لا مساكن، ولا حتى طرقات"، أضاف الغريب.
واختتم قائلا إنه "لا يوجد أحد في البلدة حاول أن يأتي بمنازل جاهزة لأن من وضع هذه المنازل في البلدات المجاورة عادت إسرائيل ودمرته".
دعوات للتحرك العاجل
مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضهيرة الفوقا، تتصاعد مطالبات السكان والبلديات والمزارعين للدولة اللبنانية والجهات المعنية، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بالتحرك الفوري وطرح رؤية واضحة لمستقبل هذه المناطق المحتلة، وسط تزايد المخاوف من تثبيت الاحتلال كأمر واقع.