بيروت / الأناضول / تحليل : عدنان كريمه - مع اشتداد المعارك واستنزاف الموارد ، يسابق الاقتصاد السوري نظام بشار الأسد في التدهور السريع والانهيار نحو الهاوية ، كنتيجة طبيعية لانهيار إجمالي الناتج المحلي وتبخر احتياطي مصرف سورية المركزي من العملات الأجنبية ومضاعفة كلفة المعيشة وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بسبب تدهور سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار ، فضلاً عن ارتفاع التضخم إلى مستويات خطيرة وتفاقم مشكلة البطالة مع انعدام فرص العمل ، كما ياتى هذا التدهور عقب إقفال عدد كبير من المصانع وتوقف نشاط العديد من الشركات والمؤسسات ، بالإضافة إلى ارتفاع العجز في الجبايات العامة بسبب التراجع الكبير في الإيرادات مقابل مضاعفة الإنفاق الحكومي لاسيما في تمويل العمليات العسكرية ضد الشعب السوري .
وكنتيجة طبيعية لكل هذه التطورات الخطيرة ، يتساءل المراقبون : إلى متى يستطيع نظام الأسد الاستمرار في تمويل الإنفاق الكبير والمتزايد ؟.
المعروف أن التوقف عن الدفع في أي مؤسسة أو شركة يعني افلاسها واقفالها ، وبالتالي فإن توقف أي نظام في أي دولة عن دفع الرواتب للموظفين يعني انهيارها مالياً وافلاسها ، وهنا السؤال المطروح : إلى متى يستطيع النظام السوري تحمل النفقات الجارية والتوقف عن الدفع ؟.
لعل الجواب الحقيقي جاء في تحذير أطلقه الخبير عبد الله الدردري كبير الاقتصاديين في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ( اسكوا ) التابعة للأمم المتحدة ، والذى أكد أن كل مؤشرات الاقتصاد السوري تشير الى اقتراب الكارثة
وحذر الدردرى ، شغل منصب نائب رئيس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية لمدة 6 سنوات ، من أن الحكومة " ستصبح عاجزة عن دفع رواتب موظفي الدولة في حال استمرت الأزمة بعد هذه السنة " .
أما في حال استمرت الأزمة حتى عام 2015 ، يتوقع الدردري أن تصل نسبة البطالة الى 58 % مقابل نحو 32 %حالياً ، ما يعني غياب فرص العمل ، بينما ستصل نسبة السوريين الذين يعيشون في فقر مدقع ( أي أقل من 1.25 دولار يومياً ) إلى 44 % مقابل 12 % قبل الأزمة ، بحيث تصبح هذه الشريحة تضم أكثر من 10 ملايين سوري .
خسائر .. وانهيار مالي
قدر خبراء خسائر الاقتصاد السوري في السنة الأولى للثورة بنحو 30 مليار دولار، و بدأت مؤشرات الأزمة الاقتصادية مع هجرة رؤوس الأموال في الأشهر الأولى ، وقد شملت نقل الحسابات المصرفية للمواطنين السوريين إلى لبنان ومصر والأردن وتركيا والإمارات ، إضافة إلى ذلك برزت خسائر القطاع السياحي الذي زود سوريا في العام 2010 بنحو 8 مليارات دولار .
وبنهاية العام 2012 قدر بعض الخبراء حجم الخسائر بنحو 80 مليار دولار ، ولكن بتقدير أقل تشاؤماً قدر المركز السوري لبحوث السياسات التابع للجمعية السورية للثقافة والمعرفة حجم الخسائر في السنتين 2011 – 2012 ، بنحو 50 مليار دولار ، وتبلغ أهمية وخطورة هذه الخسائر لدى مقارنتها بحجم الناتج المحلي البالغ نحو 60 مليار دولار حسب البيانات الرسمية لعام 2010 ، وهو مؤشر واضح للانهيار الكبير الذي تعرض له الاقتصاد السوري .
وتوزعت هذه الخسائر بين 50 % من الناتج المحلي الإجمالي على الإنفاق العسكري ونحو 43 % خسائر في مخزون رأس المال و7% خسائر أخرى .
واعتبرت الدراسة السورية هذه الخسائر بأنها كبيرة جداً مقارنة بالخسائر التي نتجت عن النزاعات الداخلية في دول أخرى ، وقد أدت إلى نمو اقتصادي سلبي بمعدل 3.7 % عام 2011 ، ارتفع إلى 18.8 % عام 2012 ، مقارنة مع نمو إيجابي كان مقدراً قبل الأزمة ( وفق السيناريو الاستمراري ) بنحو 7.1 % لعام 2011 ونحو 5.6 % لعام 2012 .
مع الإشادة إلى أن الأزمة بدورها ساهمت برفع العجز في الحساب الجاري إلى 18.5 % من الناتج المحلي الإجمالي ، وكذلك ارتفع العجز التراكمي لميزان المدفوعات إلى 16 مليار دولار ، وكان يمول هذا العجز من صافي الاحتياطي من العملات الأجنبية الذي سجل انخفاضا كبيراً من 18 مليار دولار في عام 2010 إلى فقط ملياري دولار دولار بنهاية عام 2012 كما يقول البعض، غير أن السلطات الرسمية تعترف بانخفاضه إلى 4 مليارات دولار ، مما اضطر مصرف سورية المركزي أخيراً إلى صرف قيمة التحويلات بالليرة السورية وبالسعر الرسمي مقابل الدولار.
موازنة العام 2013
توقع خبراء سوريون أن يصل عجز الموازنة في العام 2013 إلى نحو 10 مليارات دولار ، أي نصف الموازنة المقدرة بنحو 20 مليار دولار ، الأمر الذي قد تضطر معه الحكومة إلى الاستدانة أو انتظار منح خارجية من أجل سداد هذا العجز ، وذلك إضافة إلى المساعدات المادية والعينية التي تتلقاها من إيران والتي تختلف الأرقام حول حجمها .
ومع انعدام أي موارد من التصدير الزراعي والصناعي والنفط بسبب تطور الأحداث العسكرية في مختلف المناطق السورية ، فإن معدل العجز في الموازنة سوف يرتفع 10 أضعاف إلى 17 % من الناتج المحلي الإجمالي بعدما كان قد استقر هذا المؤشر عند 1.7 % في العام 2010 .
وبعيداً عن الواقع الحقيقي الذي يعيشه السوريون ، في ظل الانهيار المالي الكبير خصوصاً نتيجة الإنفاق المفتوح ومن دون حساب على العمليات العسكرية وشبيحة النظام ، فقد سبق أن أشار وزير المالية السوري محمد جليلاتي إلى أن موازنة العام 2013 تحمل عجزاً يقدر بنسبة 40 % ، وهو رقم كبير وغير مسبوق في تاريخ سورية ، وحدد جليلاتي ثلاثة مصادر محتملة لتمويل العجز ومعالجة آثاره التضخمية الكبرى هى:
- أولاً : طبع العملة ، وخطورته تكمن في آثاره التضخمية التي تخفض قيمة العملة الوطنية وترفع الأسعار .
- ثانيا : الاستدانة من المواطنين عن طريق بيع سندات خزينة ، وهذا الأمر قد لا يلقى إقبالا بسبب الظروف التي تمر بها البلاد .
- ثالثا: الاستدانة من الخارج .
وأشار جليلاتي في هذا المجال إلى قرض محتمل قد تحصل عليه سوريا من روسيا بقيمة 5 مليارات دولار ، لكنه خلص إلى القول أن الحكومة قد تجد " توليفة " لمعالجة العجز من الاحتمالات الثلاثة . السابقة
ولوحظ أن النظام السوري سبق أن اختار سلفاً الطريق الأسهل والأسرع ، فأقدم على طبع العملة ، وبما أنه خاضع لعقوبات أوروبية وأميركية ، ومن قبل شركات عالمية ، فقد وجد ضالته في روسيا التي طبعت له في العام الماضي ما يقارب 240 طنا من العملة الورقية ، في محاولة لإنقاذ اقتصاده المتهاوي ، و من أجل تمكينه ( أي النظام ) من دفع الرواتب المستحقة للجيش الذي يحارب منذ ربيع العام 2011 . وكنتيجة طبيعية لذلك حصد الشعب السوري تضخماً كبيراً التهم قيمة أمواله ومدخراته .
النظام يسرق الشعب
لقد ساهمت كل هذه التطورات السلبية والخطيرة اقتصاديا واجتماعيا في ارتفاع معدلات التضخم التي تجاوزت 50% ، وتضاعفت أسعار السلع الاستهلاكية و الغذائية بين 100 و200 % ، ومع انهيار قيمة الليرة السورية ، حتى أصبح سعر "دولار دمشق " أكثر من 140 ليرة ، من نحو 45 ليرة قبل الأزمة ، تدهورت قيمة الرواتب والأجور إلى مستويات متدنية جداً جعلت معظم المواطنين وخصوصاً الموظفين والأجراء والعمال يكابدون عناء أعباء كلفة المعيشة المتزايدة . وكأن النظام بنتيجة كل ذلك يسرق الفارق الكبير من انخفاض قيمة أجور ورواتب المواطنين فضلاً عن أموالهم ومدخراتهم.
وفي آخر اجراءات اتخذها النظام السورى ، كان الإجراء الذي اتخذه مصرف سوريا المركزي في 23 مايو 2013 ،وطلب بموجبه من البنوك وشركات الصيرفة ، صرف تحويلات السوريين الواردة من الخارج إلى سوريا ، بالليرة حرصاً منه على توفير العملات الأجنبية لديه ، حتى يستفيد منها النظام ، وبما أن عملية الصرف تتم بالسعر الرسمي للدولار ، فإن المواطن السوري يخسر دائماً الفارق بين السعر الرسمي ، وسعر السوق الموازى ، والذي لا يقل عن 50 ليرة لكل دولار لصالح الأخيرة.
وحرصاً من النظام ، كما أعلن في وسائل الإعلام الرسمية ، على توفير مبالغ للخزينة ، فقد أقدم مؤخراً على رفع سعر لتر البنزين بنسبة 23 % من 65 ليرة إلى 80 ليرة وهي المرة الثانية خلال ثلاثة أشهر ، وأشار إلى أن ذلك يوفر للخزينة نحو 35 مليار ليرة تنفقها على دعم المادة ، أي نحو 250 مليون دولار .
لقد كان سعر البنزين قبل الأزمة 40 ليرة أي ما يعادل 85 سنتا أميركياً ، ومع ارتفاعه مرات عدة حتى وصل إلى 80 ليرة ، تراجع سعره بالدولار إلى 57 سنتاً ، وتكون الحقيقة أن السعر قد أرتفع بالليرة وانخفض بالدولار ، نتيجة تدهور سعر صرف الليرة ، ولكن يبقى هذا السعر هو السعر الرسمي و غير الحقيقي من وجهة نظر البعض، لأن السعر الذي يدفعه المواطن في السوق السوداء أعلى من ذلك بكثير نتيجة أزمة فقدان المحروقات والمتاجرة فيه ، خصوصاً من قبل "شبيحة " النظام .
وبما أن الحرب عادة تفرز فقراء وأغنياء ، فقد لوحظ مع تدهور قيمة الليرة السورية ، وهروب رؤوس الأموال إلى البلدان المجاورة والخليج ، ومعظمها بالدولار ، ازدهار عمليات الذهب بيعاً وشراء لدى التجار ومحال الصاغة في سوريا ، فالرأسمالي الغني ومع ندرة وجود العملة الأميركية في الأسواق لجأ إلى شراء سبائك أو أونصات من الذهب ليحمي مدخراته من تدهور قيمتها ، أما المواطن الفقير فقد أقدم بدوره على بيع مصاغ زوجته ، حتى يتمكن من مواجهة نفقات معيشته ومعيشة عائلته ، وبذلك يستفيد تاجر الذهب من شراء المجوهرات بأسعار منخفضة وبيع السبائك بأسعار مرتفعة حسب طبيعة العرض و الطلب.
news_share_descriptionsubscription_contact
