04 أبريل 2018•تحديث: 04 أبريل 2018
مقديشو/ نور جيدي/الأناضول
رغم أن أغلب جدران ومباني حي "شنغاني" أو "شوقاني"، في العاصمة الصومالية مقديشو، باتت أطلالاً، لكنها ما زالت مغلفة بعراقة 8 قرون وتاريخ مديد.
فالحي الأكثر عراقة في المدينة يروي لزائريه عن ماضيه العريق، ويأمل في استعادة أمجاد تغنت به أجيال، بعد عودة المغتربين إلى الحي العريق.
في تلك البقعة عانقت ركاب الحضارات ورحالة الكشوفات العربية والبرتغالية، ليتلامس القاصدون إليها آثاراً شامخة تعكس الهندسة والذوق.
الدمار الشامل، الذي تعاني منه المباني، لم يقلل من روعة هدوءها وسكونها الممزوج بصوت مياه الأمواج المتلاطمة.
فالحي يزهو ببقايا مبانٍ لم تلوثها الحياة العصرية، ما يسمح للزائر بأن تتحرك أشجانه وتأملاته بعيداً عن ضوضاء وصخب العاصمة.
ومن أبرز معالم الحي مسجد "شنغاني"، الذي بني قبل نحو 800 سنة، وقصر سلطان برغش العماني، وجامع عبدالعزيز، إلى جانب المتحف الأمريكي التاريخي.
كما يضم "دار موسوليني"، حاكم إيطاليا (1922 ـ 1943) الذي أقامه المستعمر الإيطالي عام 1935، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الثانية حال دون إكمال المشروع، وتحول الدار اليوم إلى مهجع للكلاب الضالة والمشردين.
وبين أزقتها تأخذك إلى أعماق رحلة استكشافية، تحوي أثاراً وجداريات للرحالة البرتغالي كريستوفر كولومبوس، الذي كان من ضمن طليعة الكشوفات الجغرافية بالمنطقة.
فالحي، الذي يتميز بموقعه الجغرافي، المطل على ساحل المحيط الهندي، كان يوماً مبعثاً للحياة ومقصداً للراغبين في العيش في رحاب الماضي.
لكن أغلب مبانيه تحولت اليوم إلى ساحات مدمرة بالكامل، لا يقصدها إلا مدمنو المخدرات وكلاب الشوارع.
وتختلف الروايات حول معنى اسم "شنغاني"، أو "شوقاني"، فبعض الروايات تقول إنها مشتقة من العربية ومعناها "الشوق".
بينما يرى آخرون أنها تعود لملك "شنغن أبي"، وقيل إنه أحد ممالك حمير (اليمن)، فيما ذهب آخرون أنها مشتقة من منطقة في مدينة نيسابو الإيرانية.
ويقول مؤرخون إن أجناساً مختلفة كانوا يعيشون في ذلك الحي الساحلي بينهم هنود، وعرب، وإيطاليون، وباكستانيون.
وتعود بعض المنازل في الحي لأصول إيطالية أو هندية ويمنية، وهو ما يزيد الحي تنوعاً ثقافياً وحضارياً يميّزه عن بقية أحياء العاصمة.
وكان حي شنغاني، يضم، إلى جانب معالمه التاريخية، بعض المقار الحكومية ومنها المطبعة الوطنية، والتأمين الوطني، إلى جانب البنك المركزي.
كما كان يضم مقر سفارات عدة دول بينها السعودية، والهند، وإثيوبيا، وفندق "عربو"، أفخر فنادق الصومال.
لكن كل تلك البنايات لم يبق منها اليوم إلا أطلالاً قديمة تحتفظ في باطنها بتنوع النسيج المجتمعي الذي احتضنه الحي.
عامر شكاتي (70 عاماً)، مؤرخ صومالي، وهو بمثابة وعاء تاريخي للحي، يدير اليوم مجلس "الرعاية لحماية التراث والثقافي" لحي شنغاني.
يقول شكاتي، للأناضول، إن الحي هو أعرق الأحياء في العاصمة، ويتمير بطابعه المعماري الذي شيّد قبل نحو أكثر من ثمانية قرون إلى جانب المناطق الأثرية.
ويضيف أن ثمة اكتشافات أثرية بالحي تعود عهد الكشوفات الجغرافية، وحضارة حمير اليمنية التي حكمت سواحل شرق إفريقيا.
ويقول عبدالقادر علي، أحد سكان الحي، الذين عادوا من المهجر، عدنا بعد نحو 20 عاماً في الغربة، ونحاول نفض الغبار عن الحي.
ويضيف: "نعمل على إعادة هيكلته واستعادة رونقه من جديد بالتعاون مع الجهات الرسمية في البلاد".
عبدالله عمر، أحد زوار الحي، يقول وهو يتأمل أطلال المعالم الأثرية، إن ما يحتويه هذا الحي من معالم تستحق ترشيحها إلى قائمة التراث العالمي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو".
ويوضح أنه، رغم أن الصومال ليس عضواً في منظمة "اليونسكو"، إلا أن الآثار القديمة بحاجة إلى علماء لسبر أغوار التاريخ المدفون في بقاع الصومال.
ومضى قائلاً أن السكان عثروا على بقايا مبان ومساجد كانت في باطن الأرض عند إعادة ترميم مساجد تاريخية، ما يؤكد أن الحي يحتوي على مواقع أثرية لم تكتشف بعد.
ويضيف أن الدمار الهائل، الذي تعرض له حي شنغاني، حرم الصوماليين من التعرف على المواقع الأثرية القديمة، ونقلها من جيل إلى آخر كوسيلة للحفاظ عليها.
ويرى مؤرخون أن المعالم الأثرية المكتشفة في الحي أقل كثيراً من، من الموجودة بالفعل، لكنها في حاجة إلى من ينقب عنها.
وتسببت الحروب والفوضى الأمنية، التي أكلت البلاد طولاً وعرضاَ، لسنوات طويلة، في غياب استراتيجية للتنقيب والعناية بالآثار.
وبعد تحسن الوضع الأمني، بدأ المغتربون يعودون إلى البلاد، فيما يحاول حي شنغاني النهوض من براثن الركام ليكون الوعاء الثقافي والحضاري للبلاد والقرن الإفريقي.