نينوى (العراق)/ عارف يوسف - أحمد قاسم/ الأناضول
بشغف، ينتظر مسيحيون من أبناء محافظة نينوى، شمالي العراق، الأيام العشر الأخيرة من ديسمبر/ كانون أول الجاري، للاحتفال من جديد بأعياد الميلاد (الكريسماس) على أرضهم في مناطق سهل نينوى، شرق مدينة الموصل، مركز المحافظة، بعد فراق عنها دام عامين ونصف العام.
ففي صيف 2014، وقع سهل نينوى تحت سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، الذي خير المسيحيين بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو الخروج من أرضهم أو قتلهم إن رفضوا كل تلك الخيارات؛ ما اضطرهم إلى النزوح إلى مدن الإقليم الكردي (شمال) والعاصمة بغداد، وإلى بعض الدول الأوروبية.
بينما يقف قرب باب منزله، الذي لحقت به أضرار الحرب بين القوات العراقية ومسلحي داعش، وشوهت أجزاء واسعة منه، قال إلياس خليل، وهو أحد سكان قضاء الحمدانية شرق الموصل، إن "الاحتفال هذا العام سيكون مختلفا تماما عن الأعوام السابقة، فشعور العودة إلى الأرض الأم له طعم آخر لا يمكن وصفه".
خليل، وفي حديث لوكالة الأناضول، اعتبر أن "الاحتفال سيكون تحديا لداعش ولجميع الجهات العدوانية، التي أرادت إخراج المسيحيين من أرضهم، وإحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة".
وعن الاستعداد لأعياد ميلاد السيد المسيح، قال المواطن العراقي: "بدأت مع مجموعة من أصدقائي تحضير شجرة عيد ميلاد ضخمة، يبلغ ارتفاعها مترين وعرضها متر ونصف المتر، ووضعنا فيها أضواء وألعاب إلكترونية وزينات ورقية عاكسة للضوء، تمهيدا لنصبها قرب مدخل القضاء".
الاحتفال هذا العام في سهل نينوى، بحسب خليل، "يحمل رسالة مفادها أن المجتمع المسيحي محب للحياة، ويرغب في التعايش السلمي مع بقية مكونات المجتمع العراقي، وهو مجتمع ينبذ لغة القتل والدم".
احتفال على الأنقاض
خلال أعياد الميلاد، يحتفي المسيحيون بعيد رأس السنة، الذي يصادف ليلة 31 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، حيث يحتفلون بانتهاء عام وبدء آخر، ومن أبرز مظاهر احتفالهم: تقديم الهدايا، وتنظيم مواكب واحتفالات ضحمة ترافقها موسيقى أعياد الميلاد والزينة والأضواء وألعاب نارية تستمر ساعات.
في بلدة بغديدا – قرقوش، مركز قضاء الحمدانية، وقف راعي الأبرشية، مار يوحنا بطرس موشي، مطران الموصل، وسط كنيسة "الطاهرة الكبرى"، وهو يشير بإصبعه آثار حرق داعش للكنيسة وتدمير رموزها الدينية.
المطران قال للأناضول إن "الكنيسة كانت كبيرة جدا.. جميع الأبواب والنوافذ مدمرة، والجدران شاهد على أعمال الحرق والسلب والنهب، ولا يوجد أي شيء صالح للاستعمال".
ورغم كل ذلك الدمار، تابع المطران، "فقد تقرر الاحتفال بأعياد الميلاد المجيد وسط الكنيسة على الأنقاض؛ لتأكيد وجودنا، وإرسال رسالة إلى العالم بأنه لا يمكن لمجتمع محب للخير أن يندثر أو يموت أمام هجمات إرهابية ظلامية".
وختم بأن "الاحتفال بالقدّاس الإلهّي وأعياد الميلاد المجيد هذا العام في كنيسة الطاهرة الكبرى، وعلى أضواء الشموع، سيكون واسعا ويشارك به لساعات أبناء الديانة المسيحية، بحضور وفد من البرلمان الأوروبي وشخصيات سياسية وعسكرية محلية وإقليمية ودولية إضافة إلى وسائل إعلام".
وكنيسة "الطاهرة كبرى" هي كبرى كنائس بغديدا - قرقوش السبعة، وسميت بالكبرى ليس فقط لضخامتها، ولكن للتمييز أيضا عن كنيسة الطاهرة القديمة المجاورة لها، وهي تعتبر أكبر كنائس العراق ومنطقة الشرق الأوسط، وفيها تقام الاحتفالات والتجمعات الكبرى، ويعتبرها أهالي المدينة وملايين العراقيين فخر كنائس العالم.
عودة النازحين المسيحيين
بعد معارك مع داعش دامت شهورا، تمكنت القوات العراقية من تحرير مناطق سهل نينوى بالكامل، في 27 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، وتعد هذه المناطق الموطن التاريخي لمسيحيي العراق؛ ما جعل صدى تحريرها مؤثر في نفوس الكثيرين.
عن عودة النازحين المسيحيين إلى سهل نينوى، قال مستشار شؤون الأقليات في مجلس المحافظة، "أمونيوس الدائم"، إن "هذه خطوة مبكرة بعض الشيء؛ فنسب الدمار التي لحقت بالبنى التحتية مرتفعة، وبحاجة إلى جهود واسعة من الحكومة والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لإعادة الحياة إلى المناطق المدمرة".
وخلال وجوده في مدينة أربيل (مركز الإقليم الكردي)، أضاف "الدائم"، في تصريح للأناضول، أن "إعادة مسيحيين إلى مناطقهم ستكون بمثابة ضربة موجعة لداعش، وتعزيز لجهود عمليات التحرير، التي تواصل القوات العراقية تنفيذها على محاور عدة، ضمن حملة استعادة الموصل"، التي انطلقت في 17 أكتوبر/ تشرين أول الماضي.
مستشار شؤون الأقليات اعتبر أن "الاحتفال بأعياد الميلاد المجيد هذا العام على أرض نينوى مهم جدا، فهو ثمرة التحرير والتضحيات التي قدمتها القوات العراقية المشتركة في سبيل تحرير هذه الأرض من داعش".
وتابع بقوله إن "العالم يسلط عيونه على هذا الحدث المهم، ويشيد به؛ فليس من السهل تنظيم مذل هذا الاحتفال في مكان دمره داعش بالكامل، إلا أن الإرادة تهدم العوائق، وتصنع المستحيل".
وبلدة بغديدا- قرقوش، ذات أغلبية مسيحية، وكان يقطنها أكثر من 50 ألف نسمة، وشهد آخر قداس يوم 6 أغسطس/ آب 2014، وبعدها سيطر داعش على الموصل وسهل نينوى، وتسبب في نزوح عدد كبير من المسيحيين، فيما هاجر آخرون خارج العراق.
استعدادات أمنية
على مقربة من كنيسة "الطاهرة الكبرى"، وقف أحمد إبراهيم مرتيدا ملابسه العسكرية، وحاملا سلاحه الرشاش، لتأدية واجبه الأمني، ضمن صفوف القوات المشتركة المنوطة بها حماية المناطق التي جرى تحريريها.
إبراهيم قال للأناضول إنه "لا فرق بين مسلم ومسيحي، فالإنسان واحد، ونحن هنا لا نفكر ما هي الطائفة أو القومية أو الديانة التي نحميها، إنما نفكر بأنه إنسان، وعلينا أن ندافع عن الممتلكات الخاصة والعامة، ونحمي حياة المواطن وندافع عنها، ولو كلفنا ذلك التضحية بحياتنا".
وبشأن تأمين الاحتفالات المرتقبة، أوضح العسكري العراقي أن "الاستعدادات الأمنية لإنجاح احتفال المسيحيين بأعياد الميلاد المجيد في مناطق سهل نينوى انطلقت بالفعل، فالجميع عازم على إبراز هذا الحدث وإزالة العوائق التي قد تواجهه"، معربا عن أمله في أن "يعود الاستقرار إلى جميع أنحاء العراق في القريب العاجل، وتعم الاحتفالات ربوع البلد".
news_share_descriptionsubscription_contact
