إسطنبول/ ليث الجنيدي/ الأناضول
قال الرئيس السوري أحمد الشرع، فجر الأربعاء، إنه مازح نظيره الأمريكي دونالد ترامب بشأن اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، قائلا له إنه لا يملك الجولان ليعطيه لإسرائيل، وإن بإمكانه منحها ولاية نيوجيرسي الأمريكية بدلا منه.
جاء ذلك خلال جلسة حوارية أدارها المسؤول الأمريكي السابق بريت ماكغورك، ونظمها مشروع سوريا التابع للمجلس الأطلسي في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقال الشرع، في معرض حديثه عن اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان، إن الرئيس الأمريكي دعم سوريا واتخذ قرارا وصفه بأنه "تاريخي" برفع العقوبات عنها، وإنه يرتبط معه بعلاقة مميزة.
وأضاف: "مازحته خلال زيارتي إلى البيت الأبيض، وقلت له: لماذا لا تعطي نيوجيرسي للإسرائيليين؟ أنت لا تملك الجولان لتعطيه لهم، لكنك تملك نيوجيرسي".
واستدرك الشرع: "بعيدا عن المزاح، الجولان لأهله، وليس من حق الرئيس السوري أو الرئيس الأمريكي أو أي شخص آخر التنازل عنه أو منحه للآخرين".
وفي سياق متصل، قال الشرع إن المفاوضات مع إسرائيل تقترب في كل مرة من التوصل إلى اتفاق، قبل أن تتراجع تل أبيب عند مراحلها الأخيرة لأسباب مختلفة، مؤكدا تمسك دمشق بالمسار الدبلوماسي.
وأوضح أن إسرائيل تواصل اعتداءاتها على سوريا منذ سقوط النظام السابق، وتحتل أراضي جديدة سيطرت عليها بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، فضلا عن تنفيذ توغلات واعتقالات وضربات في مواقع مختلفة.
وأضاف أن دمشق اختارت معالجة هذه الاعتداءات بالدبلوماسية والحوار والمفاوضات، والاستعانة بدول صديقة لإسرائيل، بينها الولايات المتحدة.
وقال: "عقدنا عدة جلسات تفاوض مع إسرائيل، وكلما اقتربنا من الاتفاق بنسبة 90 بالمئة، تتراجع تل أبيب عند تلك النقطة لأسباب مختلفة تطرحها".
وأكد استمرار بلاده في هذا المسار، مضيفا: "لا نقول إن سلاما دائما سيتحقق الآن بين سوريا وإسرائيل، لكن علينا حماية أمن السوريين وحقوقهم، فقبل ذلك لا يمكننا الحديث عن السلام".
وتابع: "لا يمكننا الحديث عن السلام إذا كانت حقوق السوريين تُسلب"، مشيرا إلى مشاركة الولايات المتحدة في الحوار والمفاوضات، لكنه لفت إلى أن "الأمور ليست سهلة".
وبشأن إمكان إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قبل تسوية قضية الجولان، قال الشرع: "نحن نجري بالفعل محادثات مباشرة مع إسرائيل، وقد بدأت هذه المحادثات قبل نحو عام".
وأوضح أن الأولوية تتعلق بالأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق، وانسحابها إلى المواقع التي كانت تشغلها عام 1974، ثم بحث الترتيبات الأمنية.
وأضاف: "إذا نجحت تلك الترتيبات، يمكننا الانتقال إلى مناقشة سلام دائم"، مشددا على أن الجولان أرض سورية باعتراف الأمم المتحدة، وأن تبعيته ليست موضع نقاش.
وفي ما يتعلق بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية، قال إن دمشق تناقشها باستمرار، وطرح احتمال تشكيل لجنة دولية لبحثها والتمييز بين المخاوف الحقيقية والتصورات، معتبرا أن المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية يمكن أن يستفيد منها جميع الأطراف.
وردا على سؤال بشأن مخاوف الإسرائيليين بعد أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول، قال الشرع إنه يتفهم ما تعرض له بعض الأبرياء، لكنه رفض اتخاذ تلك الأحداث أساسا لجميع السياسات أو لتحديد السياسة تجاه سوريا.
وأضاف أن من الضروري أيضا فهم ما جرى في غزة، حيث قال إن أكثر من 70 ألف شخص قتلوا، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال.
وتابع: "إذا أردت حماية أمنك، فعليك احترام أمن الآخرين"، معتبرا أن إسرائيل بحاجة إلى تغيير سياساتها، لأن زعزعة استقرار محيطها تولد تهديدات بدلا من توفير الأمن.
وقال إن استقرار المنطقة يساعد الجميع، بمن فيهم الإسرائيليون، على الشعور بالأمان، داعيا إلى الاحترام المتبادل وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية.
وتساءل عن جدوى الاعتداءات على سوريا في تحقيق الأمن للإسرائيليين، مشيرا إلى استهداف المطارات والقصر الرئاسي، وتنفيذ اعتقالات داخل الأراضي السورية.
وأضاف أن علاقات سوريا مع الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الخليج والعراق ولبنان ناجحة، مستطردا: "أعتقد أن المشكلة مع إسرائيل، وليست مع سوريا".
وفي ملف الوجود العسكري الأجنبي، قال الشرع: "نسعى إلى ألا تكون هناك أي قواعد عسكرية أجنبية في سوريا، وأن تكون السيادة كاملة للدولة السورية".
وأوضح أن السلطات الجديدة ورثت الوجود الروسي عند وصولها إلى دمشق، واختارت الحوار مع موسكو، مشيرا إلى تقلص عدد القواعد الروسية، وفق قوله، من نحو 170 إلى قاعدتين.
وأضاف: "بعد مناقشات طويلة، توصلنا إلى تحويل هاتين القاعدتين إلى قاعدتين لتدريب الجيش السوري".
وأوضح أنهما ليستا قاعدتين لإدارة عمليات ضد دول أخرى أو تقديم دعم لوجستي لها، مؤكدا استمرار المناقشات مع موسكو، وأن ما توصل إليه الجانبان تضمنته مذكرة تفاهم يجري تنفيذها.
وأكد أن "أي وجود أجنبي يجب أن يحظى بإقرار مجلس الشعب وأن تكون له صفة قانونية".
وأعرب عن اعتقاده بأن الدولة السورية لن تحتاج قريبا إلى وجود عسكري أجنبي، مع تطوير العلاقات الدبلوماسية القائمة على الاحترام مع دول الجوار وأصدقاء سوريا.
ووصف انسحاب القوات الأمريكية من بلاده بأنه "أنجح انسحاب للقوات الأمريكية"، قائلا إنه جرى بأمان وتفاهم ودون حرب، وإن المنطقة بقيت هادئة، وتسلمت الدولة السورية وقواتها السيطرة عليها.
وأضاف أن سوريا تتعاون مع دول عديدة للاستفادة من خبراتها وتدريب قواتها، بما يعزز وحدة أراضيها وسيادتها واستقلال قرارها.
وفي ملف شمال شرقي البلاد، قال الشرع إن الدولة باتت تسيطر على معظم الأراضي السورية، ولا سيما المناطق التي كانت خاضعة لقوات "قسد".
وأضاف أن "قسد جرى تفكيكها، وهي تعمل الآن تحت مظلة الدولة"، مشددا على ضرورة التمييز بين دمج فصيل مسلح والتعامل مع المجتمع الكردي.
وقال: "نتحدث عن مجموعة كانت مسلحة، ولا تمثل جميع الأكراد"، مؤكدا أن الأكراد جزء من المجتمع السوري.
وأوضح أن إصدار مرسوم للاعتراف بحقوقهم الثقافية واللغوية سبق عملية الدمج، لأن ذلك "واجب وحق للأكراد الذين يعيشون في سوريا".
وأشار إلى أن فرق وزارة التربية والتعليم تتولى التفاصيل الفنية لتطبيق المرسوم، وأنه لقي ترحيبا واسعا.
وردا على سؤال بشأن إدراج المرسوم رقم 13 الخاص بحقوق الأكراد في الدستور، أجاب: "بالتأكيد، سيكون جزءا من الدستور. وهو نافذ بالفعل ويجري العمل بموجبه".
وكان الشرع أصدر المرسوم في 16 يناير/ كانون الثاني 2026، متضمنا الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، ومعالجة آثار إحصاء الحسكة عام 1962، ومنح الجنسية للسوريين من أصول كردية المشمولين بأحكامه، واعتبار النوروز عطلة رسمية.
وأصدرت وزارة التربية والتعليم، في 26 يناير، تعليمات نصت على تدريس اللغة الكردية مادة اختيارية بمعدل حصتين أسبوعيا في المناطق التي يشكل الأكراد فيها نسبة ملحوظة من السكان.
وعن المسار السياسي، قال الشرع إن مجلس الشعب سيشكل لجنة لمراجعة القوانين، وأخرى تبدأ صياغة الدستور، مضيفا: "أعتقد أن ذلك سيُنجز قبل نهاية السنوات الخمس".
وأوضح أن المسار بدأ بتثبيت الأمن، ثم عقد مؤتمر وطني جامع، وإصدار الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة، وصولا إلى انتخابات مجلس الشعب.
وقال إن الانتخابات "لم تكن مثالية، لكنها كانت مناسبة للمرحلة"، وإن المجلس بدأ جلساته ويعقد جلسات استماع للوزراء لمساءلتهم بشأن قضايا جارية.
ويحدد الإعلان الدستوري، الذي وقعه الشرع في 13 مارس/ آذار 2025، المرحلة الانتقالية بخمس سنوات تبدأ من تاريخ نفاذه.
وأكد الشرع أن السلطات أرادت تجنب المحاصصة على أسس عرقية أو دينية أو جغرافية، مع التمييز بين المشاركة في السلطة وتقاسمها وفق حصص، معتبرا أن المحاصصة تقود إلى تقسيم البلاد.
وبشأن صلاحيات المحافظات، قال إن السلطات الجديدة لم تلغ جميع القوانين القائمة، وإنها تطبق قانون الإدارة المحلية رقم 107 إلى حين تطوير التشريعات عبر مجلس الشعب.
وأوضح أن القانون يمنح المحافظات صلاحيات، بينها ما يتعلق بانتخاب المجالس المحلية، فيما يتولى رئيس الجمهورية تعيين المحافظين وفقًا له.
وأضاف أن المرحلة الانتقالية لا يمكن اتخاذها نموذجا دائما للدولة السورية، وأن ما تسعى السلطات إلى ترسيخه هو احترام القانون.
وقال: "نريد أن تكون السلطة مؤسسة، لا فردا يحكم البلاد"، مضيفا أن الرئيس ينفذ القوانين التي يقرها مجلس الشعب.
وعن إمكان ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، قال الشرع إنه لم يفكر في ذلك بعد، وإن تركيزه ينصب على خدمة الناس وتطوير البلاد اقتصاديا وسياسيا.
لكنه أبقى احتمال الترشح قائما إذا رأى أن المهمة تتطلب وجوده، قائلا: "سأترشح للقيام بذلك، لأن تجنب المسؤولية أو الهروب منها لا يعفيك منها أحيانا".
وأضاف أن على الشخص تحمل المسؤولية عندما يعتقد أنه قادر عليها، وأن العودة إلى حياته العادية أفضل له شخصيا لأن هذا المسار مرهق، لكنه سيبقى إذا رأى ضرورة لذلك.
وفي الشأن اللبناني، قال الشرع إن توجه دمشق يقوم على تمكين الحكومة اللبنانية ومؤسساتها، وحصر السلاح بيد الدولة.
وأكد ضرورة "ألا يكون هناك أي سلاح يعمل خارج حكم القانون أو سلطة الدولة اللبنانية".
وأضاف أن سوريا تسعى إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، وتجاوز المشكلات التي قال إن النظام السوري السابق تسبب بها هناك، إلى جانب التواصل مع الحكومة بشأن الإصلاح السياسي والتنفيذ السليم لاتفاق الطائف.
وردا على سؤال عن دور محتمل للقوات المسلحة السورية في لبنان، قال إن سوريا تواجه مشكلاتها وتحدياتها الداخلية، وإن عدم الاستقرار في لبنان يؤثر عليها مباشرة.
وأوضح أن دمشق تحاول مساعدة الحكومة اللبنانية قدر الإمكان، لتمكين مؤسساتها من أداء مهامها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وعن العراق، قال الشرع إن الحرب الأمريكية عليه خلفت إرثا ثقيلا وأسهمت في اتساع النفوذ الإيراني، وإن رئيس الوزراء العراقي يسعى إلى ضبط سلاح جماعات وصفها بأنها تعمل خارج مؤسسات الدولة.
وأكد أن دمشق تسعى إلى تعزيز الروابط الاقتصادية مع بغداد وتأمين ممر آمن للمنتجات العراقية، ولا سيما النفطية.
وقال: "هناك مشروع لربط حقول النفط في العراق بالموانئ السورية، بوصفه بديلا عن باب المندب وقناة السويس".
وأضاف أن خط الأنابيب كان قائما منذ خمسينيات القرن الماضي، لكنه توقف بسبب سوء العلاقات السياسية بين البلدين، وأن الجانبين يحاولان معالجة أخطاء ومشكلات العقود الماضية.
كما وصف العلاقات مع حكومة إقليم كردستان العراق بأنها "جيدة جدا"، وتشمل التعاون الاقتصادي والأمني.
وأشار إلى التواصل مع قيادات الإقليم خلال ملف "قسد"، وإسهام حكومة الإقليم في مساعدة سوريا على دمجها في الدولة.
وبشأن بناء الجيش والأجهزة الأمنية، قال الشرع إن العملية بدأت بحل الفصائل وتوحيد السلاح تحت مظلة الدولة وفي جيش واحد، ثم وضع معايير للقبول وإقامة معسكرات تدريب.
وأوضح أن ضرورة منع انهيار البلاد وملء الفراغ بعد سقوط النظام دفعت السلطات إلى استيعاب أعداد كبيرة من الراغبين في الخدمة بسرعة، دون تطبيق مستوى مرتفع من شروط القبول في البداية، بالتوازي مع بناء منظومة التدريب والتدقيق.
وأقر بوقوع حوادث خلال المرحلة الانتقالية، بينها حوادث داخل الجيش والأجهزة الأمنية، مشيرا إلى أن دولا تساعد سوريا في تدريب قواتها لتصبح قوة محترفة.
وفي رده على سؤال عن ماضيه وعلاقته السابقة بتنظيم القاعدة، نفى الشرع أي صلة بهجمات 11 سبتمبر/ أيلول، قائلا: "لم تكن لي أي علاقة بذلك".
وأعرب عن أسفه للضحايا الذين قضوا في الولايات المتحدة، ولمن سقطوا في الشرق الأوسط جراء السياسات التي اتُّبعت فيه.
وعندما كرر المحاور السؤال بشأن بيعته السابقة، قال الشرع إنه أجاب عنه مرارا، وإن الظروف في المنطقة كانت مختلفة ودفعت كثيرا من الشباب إلى ذلك الاتجاه، ثم وقعت أحداث عديدة، بينها الثورة السورية، وتطور وعيه معها.
وأضاف أن الدافع الأساسي كان رفع الظلم عن الناس، متحدثا عن القتل والاعتقال والتعذيب واستخدام الأسلحة الكيميائية في عهد النظام السابق.
وفي ملف الصحفي الأمريكي المفقود أوستن تايس، قال الشرع إنه التقى والدته، وجمعها بوالدته التي كانت تعتقد أنه قُتل بعدما فقدت أخباره سبع سنوات، معتبرا أن تشابه التجربتين منح والدة تايس أملا.
وأضاف أن نحو 150 ألف سوري ما زالوا مفقودين، وفق تقديره، وأن الهيئة الوطنية المعنية بالمفقودين تسعى للاستفادة من خبرات دولية في الطب الشرعي والتحقيق الجنائي.
وأوضح أنه لا يستطيع كشف جميع التفاصيل المتعلقة بتايس لارتباط بعضها بمعلومات أمنية واستخباراتية، لكنه أكد: "نحاول إبلاغ عائلة أوستن تايس بكل معلومة تصل إلينا بشأنه".
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
