بلدة سحمر (البقاع الغربي) / وسيم سيف الدين / الأناضول
- بلدة سحمر شكلت لسنوات ممرا حيويا يربط البقاع الغربي شرقي لبنان بجنوبي البلاد.. ومع عدوان إسرائيل أصبحت شوارعها شبه خالية ومنازلها مهدمة
- إسرائيل دمرت الجسرين الرابطين بين سحمر ومشغرة على ضفتي نهر الليطاني لقطع أوصال المنطقة وعزلها عن الجنوب
- مسؤول محلي: سحمر تعرضت لغارات جوية إسرائيلية مكثفة تسببت بتدمير واسع في المنازل والبنى التحتية ونزوح آلاف السكان
- بعض السكان يحاولون العودة إلى البلدة لإصلاح ما يمكن إصلاحه أو لتفقد ما قد يكون تبقى من ممتلكاتهم
- الحاجة فاطمة: سعيدة جدا بالعودة. عندما أكون هنا أنسى أن هناك حربا.
تبدو بلدة سحمر في البقاع الغربي شرقي لبنان وكأنها خارج الزمن بفعل العدوان الإسرائيلي المدمر.
شوارع شبه خالية، منازل مهدمة، وأحياء كاملة تحولت إلى كتل من الركام، فيما يقطع الصمتَ صوتُ خطوات قلة من السكان يعودون لتفقد ما تبقى من بيوتهم.
هذه البلدة، الواقعة جنوبي بحيرة القرعون، لم تكن مجرد تجمع سكني عادي، بل شكلت لسنوات ممرا حيويا يربط البقاع الغربي بجنوبي لبنان.
لكن اليوم تحولت إلى نقطة ارتكاز في العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 2 مارس/ آذار الماضي، وهدفا لضرب هذا الترابط الجغرافي.
فخلال مارس وأبريل/ نيسان الجاري، تعرضت سحمر لغارات جوية إسرائيلية مكثفة، تسببت بتدمير واسع في المنازل والبنى التحتية ونزوح آلاف السكان، حسبما أفاد مسؤول محلي لمراسل الأناضول الذي جال في البلدة.
وقال المسؤول، مفضلا عدم الكشف عن اسمه، إن عدد سكان سحمر يبلغ نحو 8 آلاف نسمة، فيما يناهز عدد الوحدات السكنية 1500، دُمّر ما بين 40 و50 بالمئة منها بشكل كلي.
** دمار يتجاوز الأهداف العسكرية
لم تقتصر غارات إسرائيل على ما يُشتبه في أنها أهداف عسكرية لـ"حزب الله"، بل امتدت بشكل واسع إلى المرافق المدنية من مدارس ومساجد وجسور ومنازل.
في وسط البلدة، تقف المدرسة الرسمية، التي كانت تستقبل نحو 1500 تلميذ، شاهدا على حجم الدمار، بعد أن تضررت بشكل كبير جراء استهداف مبان مجاورة لها.
كما أصيب محول الكهرباء الرئيسي ما أدى إلى انقطاع التيار، وما تزال معظم الخدمات الحيوية غير متوفرة، وسط دمار كبير لحق بالأحياء السكنية.
ويوم الجمعة 3 أبريل، استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية مسجد "أهل البيت" في البلدة عند خروج المصلين منه.
وعاين مراسل الأناضول أضرارا كبيرة في المسجد، ودماء ما زالت على الأرض وآثار شظايا على جدرانه ومدخله وأماكن الوضوء.
** عقدة جغرافية في مرمى الاستهداف
سحمر تكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي، فهي ليست بوابة للبقاع الغربي نحو الجنوب فحسب، بل تشكل مع بلدات مجاورة مثل مشغرة ويحمر شريانا حيويا للتنقل.
هذا الموقع جعلها أيضا ضمن الحسابات العسكرية، إذ تُعد، وفقا لتقديرات ميدانية، خط إمداد لوجستي وميداني لـ"حزب الله"، ما يفسر استهدافها المتكرر من جانب إسرائيل.
ويبرز تدمير الجسر الرئيس، الرابط بين سحمر ومشغرة على ضفتي نهر الليطاني، أحد أبرز معالم هذا الاستهداف، بهدف قطع أوصال المنطقة وعزلها عن الجنوب.
ومنذ بداية عدوانه، عمد الجيش الإسرائيلي إلى عزل منطقة واسعة من جنوبي لبنان عن بقية مناطق البلاد وتهجير سكانها، بهدف إقامة ما يدعي أنها "منطقة أمنية موسعة".
ويدعي الجيش أن سحمر ومحيطها تمثل منصة محتملة لإطلاق الصواريخ، بحكم قربها من الحدود وجبل الشيخ، ما يجعلها هدفا لضربات تهدف إلى تقليص هذه القدرات.
كاميرا الأناضول عاينت الجسرين المدمرين (أحدهما جسر رئيس) اللذين يربطان ضفتي نهر الليطاني جنوبي البلدة باتجاه بلدة مشغرة البقاعية، إذ أصيبا بغارتين ادعت إسرائيل أنهما استهدفتا أنشطة لـ"حزب الله" ونقل عناصر ووسائل قتالية نحو جنوبي لبنان.
ويُعدّ جسرا سحمر – مشغرة من المعابر الحيوية في منطقة البقاع الغربي، حيث يربطان بين البلدتين عبر وادٍ ومجرى مائي محلي.
كما يشكلان جزءا أساسيا من شبكة الطرق الداخلية التي يعتمد عليها الأهالي في تنقلاتهم اليومية للوصول إلى البلدات المجاورة في البقاع.
** نزوح ومحاولات عودة
وكانت سحمر واحدة من ست بلدات في البقاع الغربي، أنذر الجيش الإسرائيلي سكانها بالمغادرة، إلا أنها بدت الأكثر تضررا، مع دمار شمل أحياء كاملة.
ورغم ذلك، يحاول بعض السكان العودة، ولو جزئيا، لإصلاح ما يمكن إصلاحه، أو لتفقد ما قد يكون تبقى من ممتلكاتهم.
في أحد أحياء البلدة، تقف الحاجة فاطمة أمام "صاج" بسيط، تعجن وتخبز، محاولة استعادة إيقاع الحياة.
وقالت لمراسل الأناضول: "أنا سعيدة جدا بالعودة. عندما أكون هنا أنسى أن هناك حربا".
ويوميا تتنقل من مكان نزوحها في بلدة القرعون إلى سحمر، لتعد المناقيش لسكان قلائل بقوا أو عادوا، جراء غياب الأفران والمطاعم.
وأضافت: "عندما نكون خارج البلدة ونسمع ما يجري نشعر بالخوف، لكن عندما نعود، نحاول أن نعيش".
ومنذ 2 مارس، خلّف العدوان الإسرائيلي على لبنان 2576 قتيلا و7 آلاف و962 جريحا وأكثر من 1.6 مليون نازح، أي خُمس السكان، حسب أحدث معطيات رسمية.
وبدأت في 17 أبريل هدنة لمدة عشرة أيام، ثم جرى تمديدها حتى 17 مايو/ أيار المقبل، لكن إسرائيل تخرقها يوميا، عبر قصف دموي، وتفجير واسع لمنازل بعشرات القرى في جنوبي لبنان.
وتحتل إسرائيل مناطق بجنوبي لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ الحرب السابقة بين 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة نحو 10 كلم داخل الحدود الجنوبية.
كما تحتل إسرائيل فلسطين وأراضي في سوريا، وترفض الانسحاب منها وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة.