أنقرة/ الأناضول
المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، في مقال خص به الأناضول:قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، إن العالم سيدخل مرحلة البحث عن موازين جديدة، عقب ظهور فيروس كورونا الجديد الذي باغت الكرة الأرضية بأسرها دون أي استعداد خاص لمواجهته.
جاء ذلك في مقالة كتبها قالن للأناضول بعنوان "الاكتفاء الوطني والتعاون الدولي..المفتاح السري لعالم ما بعد كورونا".
وأوضح قالن أن فيروس كورون أظهر للعيان أن مناعة النظام العالمي، أضعف بكثير ممّا كان متوقعا، وأن النظام الاقتصادي العالمي سيرتكر خلال الفترة المقبلة على 3 عناصر أساسية، هي: الأمن البيولوجي والأمن السيبراني والأمن الغذائي.
وأضاف أن عجز الأمم المتحدة أمام أزمة كورونا، أظهر للعيان مدى أحقية مقولة الرئيس رجب طيب أردوغان "العالم أكبر من خمسة"، كما لفت أن الاتحاد الأوروبي بات في مرمى الانتقادات لعدم دعمه أو عجزه عن دعم إيطاليا واسبانيا في مواجهة الوباء.
وفيما يلي النص الكامل للمقالة التي كتبها متحدث الرئاسة التركية للأناضول بعنوان "الاكتفاء الوطني والتعاون الدولي..المفتاح السري لعالم ما بعد كورونا":
"سيدخل العالم الذي باغته فيروس كورونا الجديد دون استعداد أو تحضير، مسيرة البحث عن موازين جديدة. وخلال المرحلة القادمة ستكون الحركات الشعبوية والمدافعين عن العولمة والمؤيدين للدولة القومية، وهذه الشرائح تتنافس فيما بينها منذ زمن طويل، من أبرز روّاد حلبات صراع القوى.
ومن البديهي أن العادات القديمة لن يتم التخلي عنها بسهولة، لكن تدفق التاريخ سوف يكون متسارعا جدا. والقرارات التي ستُتّخذ في هذه الأيام، هي التي ستحدد منحى هذا التدفق.
وقد أظهر فيروس كورونا للعيان، أن مناعة النظام العالمي، أضعف بكثير ممّا كان يُعتقد. فالأزمة التي ظهرت في الصين، انتقلت خلال فترة وجيزة لتتخذ من إيران وأوروبا مركزا لها.
وخلال الأسابيع الأخيرة، ارتقت الولايات المتحدة الأمريكية إلى صدارة الدول الأكثر تضررا من الفيروس من حيث عدد الوفيات والإصابات.
وستظهر أزمة كورونا أمام العديد من الحكومات على شكل مسألة سياسية حقيقية، وخلال فترة وجيزة ستؤثر نتائج التدابير المتخذة ضد الفيروس وكيفية إدارة هذه الأزمة، على استمرارية الكثير من الحكومات، ولا بد أن هذه الأزمة ستنعكس على صناديق الاقتراع في البلدان التي ستشهد استحقاقات انتخابية قريبا.
ولأن أزمة تفشي فيروس كورونا، تعد بالدرجة الأولى مسألة تتعلق بالصحة العامة، فقد انتظر الجميع (منهم الليبراليون والمحافظون)، أن تستخدم السلطات إمكاناتها وقدراتها وتتخذ التدابير اللازمة. وهذا أمر طبيعي. فالمحللون السياسيون يقولون بأن قوة الدولة ستزداد وسيحتل المنظور الأمني مكانة رفيعة في هذه المرحلة.
ومع صحة هذه الرؤية، فإن المسألة ليست مرتبطة بالحفاظ على النظام العام وحده، فمن الضروري إجراء فعاليات مجدية في قطاعات الصحة العامة والخدمات الأساسية والزراعة والطاقة والمواصلات والبنية التحتية والتوريد. فالنظام الاقتصادي هو الذي سيحدد مدى نجاح الدول في التعامل مع هذه الأزمة.
وسيتشكل هذا النظام الاقتصادي خلال الفترة التي ستلي تفشي فيروس كورونا، من 3 عناصر أساسية، هي: الأمن البيولوجي والأمن السيبراني والأمن الغذائي. وهذه العناصر الثلاثة ستكون من أهم المواضيع التي ستدور حولها نقاشات خلال السنوات القادمة.
ومن المنتظر أن تكون المنتجات البيولوجية وطرق العلاج واللقاحات وتهديد الإرهاب البيولوجي، من أبرز عناوين الملفات الصحة العامة والأمن الوطني.
وكل يوم، تتم مليارات المعاملات عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، ومما لا شك فيه أن هذه المعاملات ستزداد حول العالم، عقب كورونا، كما سيزداد العمل من المنزل وعقد الاجتماعات واللقاءات عبر تقنيات متعددة مثل التلكونفرانس، لذا فإن البنية التحتية للاتصالات والأمن السيبراني وحماية المعلومات الخاصة، باتت تستحوذ على أهمية كبيرة جدا.
وكذلك الأمن الغذائي، فإن مرحلة ما بعد كورونا ستفرض على العالم مزيدا من الاستثمارات والخبرات في مجال كيفية إنتاج الأغذية ونقلها وشحنها، حيث ستكتسب المكونات الطبيعية والكيميائية للأغذية التي نشتريها وكيفية إيصالها إلى موائدنا، أهمية كبيرة. وهذه العناصر الأمنية الثلاثة، ستفرض إعادة الهيكلية التنظيمية القائمة بين البلدان والأسواق العالمية. وستكون البلدان التي تتمتع ببنية تحتية قوية في مجال الزراعة والثروة الحيوانية من بين الفائزين في هذه العملية.
فيروس كورونا الجديد، أظهر أيضا مكامن الضعف لدى المؤسسات والمنظمات الدولية، حيث أن فعالية وكفاءة ومشروعية مؤسسات مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي ومجموعة الدول العشرين، ستكون موضع نقاش وجدل خلال المرحلة القادمة.
ولعل عجز الأمم المتحدة أمام أزمة كورونا، أظهر للعيان مدى أحقية مقولة الرئيس رجب طيب أردوغان "العالم أكبر من خمسة"، وكذلك بات الاتحاد الأوروبي في مرمى الانتقادات لعدم دعمه أو عدم قدرته على دعم إيطاليا واسبانيا في مواجهة كورونا. والعديد من الأشخاص باتوا يسألون: "هل يوجد اتحاد أوروبي حقاً؟". إن تأثير ومشروعية هذه المؤسسات ستكون مرتبطة بكيفية تعاملهم مع أزمة كورونا.
ولقد أظهرت تركيا أنها عضو موثوق في حلف شمال الأطلسي (ناتو) من خلال إرسالها مساعدات طبية لدول مثل إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا.
ومما لا شك فيه أن أعباء فيروس كورونا المالية على الاقتصاد العالمي ستكون ثقيلة للغاية. فالكلفة المالية لفيروس سارس الذي ظهر عام 2003، كانت بحدود 40 مليار دولار، لكن التوقعات تشير إلى أن كلفة فيروس كورونا ستتراوح بين 3 إلى 4 تريليون دولار أمريكي. فالأوروبيون يشيرون حاليا إلى وجودة حاجة لخطة مارشال جديدة (مساعدات مالية أمريكية قُدّمت لـ16 دولة عقب الحرب العالمية الثانية)، لكن ليس خفيا على أحد أن إدارة ترامب لا تنوي ذلك وليست لديها القدرة للقيام بمثل هذه الخطوة. والنقاشات الدائرة حول إمكانية أن تطرح الصين خطة مارشال الخاصة بها، تعطي إشارات مهمة بشأن الاتجاه المستقبلي للتوازنات الاقتصادية الجديدة في العالم.
ومن السابق لأوانه تحديد الجهات الخاسرة والرابحة في مرحلة تفشي فيروس كورونا، فمن غير الممكن التكهّن في هذا الخصوص، وقد تكون خسارة الدول العظمى كبيرة وخسارة الدول الصغرى قليلة. لكن ما هو مؤكد أننا تخلصنا من عصر كانت تأكل فيه الحيتان الكبيرة الأسماك الصغيرة، ودخلنا عصرا تستطيع فيه الأسماك الصغيرة بحنكتها وذكائها أن تجد سبيلا لها في المياه العكرة. وبعد أزمة كورونا، ستكون البلدان والتحالفات الاقليمية والمنظمات والمؤسسات الدولية مجبرة على الأخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة.
وخلال المرحلة المقبلة، سيكون من الضروري ايجاد تنسيق بين الاكتفاء الذاتي والوطني والتعاون الدولي. فكورونا أظهر أهمية القدرات الوطنية للدول، فالبلدان التي تمتلك بنية تحتية وقدرات وطنية قوية وبادرت بالتحرك مبكرا لمكافحة كورونا، هي التي حققت نجاحا في التصدي للفيروس. وتركيا أظهرت للعالم خلال هذه المرحلة، مدى أهمية الاستثمارات لتعزيز القدارات الوطنية في مجال الصحة والاتصال والزراعة والثروة الحيوانية.
لكن بالمقابل لا يمكن تجاهل التعاون الدولي. فلا يمكن لأي دولة في العالم أن تكافح لوحدها مثل هذه الكوارث الطبيعية. فالتعاون الاقليمي والدولي، بات أكثر إلحاحا وأهمية من أي وقت مضى. والأكثر من هذا، فقد ظهر جليا بأن النظام الذي يستند إلى مبدأ المساواة والمشاركة العادلة هو في مصلحة الجميع. ومن المؤكد أن الاكتفاء الذاتي والوطني والتعاون الدولي سيكتسبان نفس القدر من الأهمية في زمن ما بعد كورونا.
تأتي تركيا في مقدمة البلدان الأكثر نجاحا في مكافحة فيروس كورونا الجديد. فقد ظهرت أهمية الاستثمارات والمساعي الرامية منذ سنوات لتعزيز البنية التحتية لقطاع الصحة، بشكل واضح خلال فترة تفشي الفيروس. وتركيا كانت من بين أوائل الدول التي أعلنت عن حزمة تدابير لمنع تفشي كورونا، حيث كشفت عن أول حزمة يوم 12 مارس/ آذار الماضي، وجاء إغلاق المدارس والانتقال للتعليم عن بُعد، ضمن أهم بنود تلك الحزمة.
وكذلك شكلت خطة الدرع الاقتصادي، متنفسا للعاملين ورجال الأعمال في فترة تفشي كورونا. ولم تواجه تركيا أي مشكلة فيما يخص وحدات العناية المشددة والأسِرّة وإنتاج المستلزمات الطبية الوقائية.
وقد ظهر كفاح تركيا الدؤوب ضد كورونا، من خلال إيقاف الرحلات البرية والبحرية والجوية ومنع التنقل بين الولايات الكبرى وحظر التجول نهاية كل أسبوع في 31 ولاية، فضلا عن التركيز على أهمية مبدأ التباعد الاجتماعي وإجراء الفحوصات الطبية اللازمة لكشف حالات الإصابة بالفيروس، وتوفير احتياجات الأشخاص الذين يلتزمون المنازل من قِبل قوات الأمن التركية.
والعنصر الذي أدى إلى تحقيق هذا النجاح في مكافحة كورونا، هو متابعة الرئيس رجب طيب أردوغان لكافة المستجدات المتعلقة بتفشي الفيروس، وتسخيره كافة الإمكانات المتوفرة من أجل مكافحة هذا الوباء.
إن افتتاح مدينة باشاك شهير الطبية قبل عدة أيام والبدء بإنشاء مستشفيين جديدين في مطار أتاتورك ومنطقة سنجق تبه باسطنبول، وإنتاج أجهزة تنفس اصطناعية بقدرات محلية، سرّع من وتيرة النجاح في مكافحة الوباء.
ومن هذه التدابير يمكننا استخلاص نتيجتين مهمتين، هما أن القيادة القوية والبنية التحتية الصلبة، تعتبران من أهم العناصر التي لا يمكن الاستغناء عنهما في إدارة الأزمات. ومن خلال الاستثمارات التي شهدتها البنية التحتية بقيادة الرئيس أردوغان، والنجاحات التي تحققت في إدارة الأزمات والتنسيق الحاصل بين المؤسسات، والدعم الشعبي، باتت تركيا مثالا يحتذى به.
فيروس كورونا الجديد، جعل خطوط الصدع الهشة للنظام العالمي الحالي، أكثر وضوحا. والدروس التي سيتم استخلاصها من المرحلة الراهنة، ستحدد مسار الإنسانية. وكما أن لهذا الوباء القدرة على تقريبنا من بعضنا البعض، فإن هناك احتمال أن يباعد المسافات بيننا. ومنذ نحو قرنين من الزمن، أساءت الإنسانية استغلال الطبيعة، ولعلها بعد سوء الاستغلال هذا، تقوم بمحاسبة جادة وتنقّح أولويات الحياة.
بات من الضروري إجراء تغيير في الرؤية تجاه الأزمات البيئية والتغيرات المناخية والأسلحة الكيميائية والبيولوجية والمنتجات المعدلة وراثيا والمنتجات الزراعية العضوية. والمحاسبة المبنية على أساس العقل والحكمة، كل هذه المتغيرات ستكون متنفّساً للأرض والسماء والتربة والمياه، وستكون بالتأكيد لصالحنا جميعاً".
news_share_descriptionsubscription_contact
