الأناضول - اسطنبول
هشام شعباني
تنافست الدول الاستعمارية بغية إضعاف الدولة العثمانية، وعملت على اضعافها داخلياً وخارجياً، بغية تقسيمها، والسيطرة على أراضيها، وعلى جميع الدول الإسلامية واستعمارها ونهب ثرواتها.
وأدركت الدولة العثمانية تلك المخططات، وعملت على وصل ولاياتها بخطوط السكك الحديدية، نظراً لأهمية ذلك على الصعيدين الاقتصادي والاستراتيجي.
ولم تكن الدولة العثمانية كما يصفها البعض، دولة منغلقة على الحضارة والتقدم والتطور، حيث حرص سلاطين بني عثمان على مواكبة التطور الحاصل في أوروبة، وأدخلوا التلغراف، الذي كان يعتبر وقتها أهم وسيلة من وسائل الاتصال، حيز الاستخدام في الدولة العثمانية عام 1852، أي بعد 21 عاماً من بدأ استخدامه في أوروبا. كذلك كان حال الخطوط الحديدية، إذ وجد رجال الدولة أن الخطوط الحديدية تقدم حلاً عملياً لمشكلة المواصلات، في دولة تمتد على أرجاء واسعة.
وشهدت مصر عام 1856 الانتهاء من العمل بأول مشروع للسكك حديدية في الدولة العثمانية عام 1830، وصل الإسكندرية بالقاهرة على امتداد 211 كم. ثم مدّت الدولة العثمانية عام 1860 خطاً للسكك الحديدية، بطول 66 كم، بين مدينتي كوستانجه وجرنوفادا في رومانيا، وفي عام 1866 مدت خطاً بين مدينتي إزمير وآيدن، إضافة إلى خطين آخرين، الأول بطول 224 كم، يصل مدينتي، روسه، الواقعة على نهر الدانوب، وفارنا، الواقعة على ساحل البحر الأسود في بلغاريا، والثاني خط إزمير – قصبة بطول 93 كم.
وشهد عام 1873 افتتاح خط "روم ايلي" بطول 1279 كم، ليصل اسطنبول بأهم العواصم الأوروبية كباريس وفيينا وبرلين، وعام 1886 خط بين مدينتي مرسين وآضنة بطول 67 كم، الذي امتد فيما بعد ليصل بغداد بالبحر الأبيض، وعام 1891 خطاً يصل بين مدينتي يافا والقدس في فلسطين، وعام 1894 خطاً يصل دمشق بمزيريب في سهل حوران، وخطاً آخر يصل بين دمشق وبيروت عام 1895، وعام 1896 خطاً بين اسطنبول وسلانيك، وعام 1897 خطاً بين أفيون وآلاشهر.
قدّر خلفاء بني عثمان أهمية خطوط السكك الحديدية، ودورها في وصل أصقاع البلاد بعضها بعضاً، وانعكاسات ذلك على الاقتصاد والأمن في عموم البلاد، فضلاً عن خلق فرص عمل، وإعمار أراضٍ جديدة، مما يؤدي إلى دب الحياة في مناطق لم تكن مأهولة، لذا لم يترددوا في استقدام هذه التكنولوجيا الجديدة، ومن ثم تطويرها ذاتياً، ليشرف المهندسون المسلمون فيما بعد، على بناء أضخم خطوط السكك الحديدية في العالم، وليصبح هذا الخط الحديدي، رمزاً من رموز قدرة المسلمين على مجاراة الحضارة الأوروبية الصاعدة.
وكان لمنطقة الحجاز أهمية خاصة عند خلفاء بني عثمان، فرغم بعدها عن العاصمة، إلا أنها حافظت على أهميتها كونها تضم أهم المقدسات الإسلامية، فكانت جموع المسلمين تأتيها من كافة مناطق السلطنة المترامية الأطراف، فضلاً عن الوفود الحاجة أو المعتمرة، التي تتوافد عليها من مناطق إسلامية مختلفة، مثل بلاد القفقاس، والتركستان وإيران وأوروبة وشمال إفريقيا، والهند، وغيرها من البلاد الإسلامية.
وأرسل مدير أوقاف جدّة، أحمد عزّت أفندي، عام 1892، تقريراً للسلطان عبد الحميد الثاني، عن طريق وزارة الشؤون البحرية، نوه خلاله إلى أهمية بناء الخط الحديدي الحجازي، ومشيراً إلى المخاطر التي تعتري المنطقة، في ظل سيطرة القوى الاستعمارية الغربية على أطراف من شبه الجزيرة العربية، بشكل مباشر، أو غير مباشر، الأمر الذي يدعو إلى إيجاد حلولٍ عملية، للدفاع عن الأراضي المقدسة، في حال حدوث أي اعتداء غير متوقع. ولفت في تقريره إلى تأثير بعد الأراضي المقدسة عن العاصمة، وما يترتب على ذلك من تأخر في وصول الإمدادات المطلوبة في حالات الطوارئ، في الوقت الذي كانت فيه سفن الدول الغربية، تجوب البحر الأحمر، ساعية إلى خلق موطئ قدم في شبه الجزيرة العربية، التي باتت تتعاظم أهميتها الإستراتيجية، في أعقاب نجاح مشروع شقّ قناة السويس.
وأكّد مدير أوقاف جدّة في تقريره الذي أرسله إلى السلطان، على أن إقامة مثل ذلك الخط، سيضمن وصول الإمدادات العسكرية من دمشق أو أي مكان مناسب، إلى المدينة المنورة التي تضم روضة النبي عليه السلام، ومكّة المكرّمة، التي تضم قبلة المسلمين.
وأشار مدير الأوقاف في تقريره، إلى الأهمية التي سيكتسبها الخط الحديدي بعد إتمامه، إذ أن من شأنه توفير السفر الآمن للمسلمين إلى الديار المقدسة، في فترة الحج والعمرة، مما يزيد من أعداد الحجاج والمعتمرين، ويوفر لهم سفراً مريحاً، ووصول آمناً، الأمر الذي ينعكس بشكل إيجابي على اقتصاد منطقة الحجاز، وشبه الجزيرة العربية بشكل عام.
واهتم السلطان عبد الحميد الثاني بالتقرير المرسل، من قبل مدير أوقاف جدّة، ودرسه بعناية، خاصة وأن شبه الجزيرة العربية، شغلت على الدوام، موقعاً خاصّاً في قلب السلطان، لاحتوائها على الأراضي المقدّسة من ناحية، ولأنه خليفة للمسلمين في كل أصقاع الأرض من ناحية أخرى، فضلاً عن تنامي قوة الدول الغربية الاستعمارية، والاهتمام الكبير الذي بدأت تبرزه علانيةً بمنطقة شبه الجزيرة العربية ابتداءً من مطلع القرن التاسع عشر.
أرسل السلطان عبد الحميد الثاني التقرير إلى الفريق محمّد شاكر، في قيادة الأركان الحربية، ليأخذ رأيه بمضمونه، فأعد الفريق تقريراً مفصّلاً، يتضمن دراسات فنية عن المشروع، فضلاً عن بحث يبين أهميته الاقتصادية والإستراتيجية.
وقيّم أركان الدولة المشروع، من الناحية الفنية والمالية المتوفرة آنذاك، وأعربوا للسلطان عن قناعتهم بعدم إمكانية تنفيذه، في ظل الظروف والأوضاع الاقتصادية الراهنة، فما كان من السلطان عبد الحميد الثاني، إلا وأن قال : "آمركم البدء بتنفيذ هذا المشروع، مستنداً في أمري إلى عون وعناية الحق جل جلاله، ونصرة ومدد الرسول الأكرم صل الله عليه وسلم".
وأعلن عن مشروع الخط الحديدي الحجازي، في 2 أيار/ مايو 1900، وبدأ العمل به بشكل رسمي في 1 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، باحتفال رسمي أقيم في منطقة القدم جنوب دمشق.
كان للمشروع أهمية بالغة، خاصّة وأنه ييسر للحجاج طريق الحج، ويحميهم من الأمراض والأوبئة، التي كانت تفتك بالكثير منهم أثناء تلك الرحلة المضنية، وينهي مشكلة نفاذ الماء أثناء الرحلة الطويلة، ويقلل من المصاريف الكبيرة، التي طالما أثقلت كاهل المسلمين، الراغبين بأداء تلك الفريضة.
ودارت عجلات العمل بالمشروع على قدم وساق، ووصل الخط في 1904، إلى مدينة معان التي تبعد عن دمشق 460 كم جنوباً، فيما وصل عام 1905، إلى مدينة حيفا في فلسطين، ليربط مدن الداخل بالبحر الأبيض.
وحاز المشروع على أصداء واسعة في عموم بلاد العالم الإسلامي، وأطلق عليه المسلمون في مختلف البلاد الإسلامية اسم مشروع العصر، ولم يقف تقدير المسلمين عند التعبير عن مشاعرهم القلبية وتبريكاتهم فحسب، بل عبروا عن ذلك بمساعدات مالية، بدأت تصل إلى دولة الخلافة تباعاً، من داخل الدولة عبر حملات التبرع التي شارك بدأها السلطان عبد الحميد بمبلغ 50 ألف ليرة، وشارك فيها عدد كبير من كبار وصغار الموظفين، ومختلف أطياف أبناء البلاد العثمانية، ومن خارج الدولة، حيث أرسل مسلمو الهند ومصر وروسيا ووسط آسيا (تركستان) والمملكة المغربية، وتونس وجنوب أفريقيا، وإيران، وسنغافورة، وجاوا، والصين، والسودان، والولايات المتحدة، وقبرص، والبلقان، وانكلترا، والنمسا، وفرنسا، وألمانيا، تبرعات سخية لذلك المشروع، مما ساعد الدولة العثمانية، على الاستمرار ببنائه، ورغم ذلك فقد ارهقت ميزانية الدولة بشكل ملحوظ، حتى باتت غير قادرة على دفع رواتب الموظفين بشكل منتظم، إذ كلف المشروع الدولة أكثر من 18 % من قيمة ميزانيتها، التي كانت ما تزال تعاني من الأعباء الاقتصادية، للحرب الروسية – العثمانية.
وأخيراً، وصل الخط الحديدي الحجازي، إلى المدينة المنورة، في 1 أيلول/ سبتمبر عام 1908، ليفتتح بشكل رسمي ويباشر تقديم خدماته، على أن يصل إلى مدينة جدّة، التي تقع على ساحل البحر الأحمر، بغية ربطها بمكة المكرّمة والمدينة المنورة، لنقل الحجاج القادمين بحراً إلى الأراضي المقدّسة.
بلغت تكلفة الخط الحديدي الحجازي، مع الخط الواصل إلى حيفا، 3 ملايين و456 ألف و926 ليرة عثمانية، ووصل طوله إلى 1464 كم. وكان من المقرر حسب المشروع، أن يتابع الخط الحديدي الحجازي طريقه، ليصل المدينة المنورة ومكة المكرمة بمدينة جدّة الساحلية، وكانت لعملية إتمام الخط على ذلك النحو، أهمية بالغة على الصعيدين الديني والإستراتيجي، لكن الحرب في ليبيا والبلقان، أدت إلى تأخر تنفيذ القسم المتبقي من المشروع، الذي كان ينتظره مستقبل واعد، من شأنه أن يربط الأراضي المقدّسة، باليمن والسويس ونجد والعراق.
عانى الخط الحديدي الحجازي مصاعب جمّة، أبان الحرب العالمية الأولى، إذ رأى أمير مكّة، الشريف الحسين بن علي، أن وصول الخط الحديدي الحجازي إلى مكّة ومن ثم إلى جدّة، سيضعف نفوذه في المنطقة، وسيقف حجرة عثرة أمام طموحه بالانفصال عن الدولة العثمانية، وبناء دولة مستقلة عنها.
وقد استغل الشريف الحسين بن علي، وقوع الدولة العثمانية بضائقة اقتصادية، جراء حرب البقان وليبيا، وبدأ بالتخطيط من أجل الاستقلال، وبناء مملكة منفصلة عن دولة الخلافة، وعقد اتفاقيات مع الإنكليز، تنص على دعم بريطانيا للشريف حسين، بالمال والسلاح والمؤن، مقابل إعلانه الحرب على الدولة العثمانية، شريطة اعتراف بريطانيا بعد وضع الحرب أوزارها، بدولة عربية، تحت قيادته.
استطاع الشريف حسين ببراعة، مستغلاً ثقة الدولة العثمانية به، كونه من الأشراف، تأخير إتمام المشروع حتى حزيران/ يونيو 1916، وهو التاريخ الذي أعلن فيه الحرب على الدولة العثمانية، وبدء رجاله بتدمير الخط الحديدي الحجازي، مدعومين من قبل إنكلترا، كما أوعز الجاسوس البريطاني الشهير، "لورنس"، إلى رجال الشريف، بتدمير القطارات، وعرباتها، واقتلاع السكك الحديدية، لتطويها صفحات التاريخ منذ ذلك التاريخ.
وكان القطار الذي حمل البريد في 26 آذار/ مارس 1918، آخر قطار وصل إلى المدينة المنورة قادماً من الشمال، بعدها أجبر ما تبقى من الجنود العثمانيين، الذين وفدوا من معظم البلاد الإسلامية، للدفاع عن السلطنة والخلافة، على الخروج من الحجاز والعسير واليمن وسوريا والعراق، بعد توقيع معاهدة مندروس وخسارة الدولة العثمانية للحرب العالمية الأولى.
news_share_descriptionsubscription_contact
