الأناضول - سكينة الصادقي
يضيف " كورأوغلو" في هذا الحوار ل"الأناضول" أنه إذا نظرنا إلى صفحات التاريخ نرى أن مساهمة القبائل التركية في الدولة العباسية و الدول المتتالية التي أنشأها الاتراك من الدولة السلجقية و خرزمشاه إلى الدولة الإسلامية في الهند والعثمانية كانت مساهمة مؤثرة في بناء الحضارة الإسلامية كما ساهمت في دعم العرب في منطقة الشرق الاوسط و شمال إفريقيا .
ويشير" كورأوغلو"إلى أن هذه العلاقة الأخوية استمرت إلى أن سقطت الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين بسبب ظهور القومية و خضوع الدول العربية للإستعمار، إضافة أن بعض النخب التركية وعند تأسيس الجمهورية ارجعوا سقوط الدولة العثمانية إلى" خيانة بعض القبائل العربية ومن جهتهم رأى بعض القوميين العرب أن الأتراك نهجوا سياسة قومية تركية و طبقوا على العرب سياسة التتريك .
تفسيرات خاطئة
ويوضح " كورأوغلو"أن هذه التفسيرات الخاطئة للتاريخ عمقت الهوة بين العرب و الأتراك، حيث أن هناك تاريخا رسميا وضعته النخبة التركية المتغربة و المتأثرة بفكرة الغرب الدين ثاروا على الكنيسة فتبنت هده النخبة فكرة قائلة ان التخلص من الدين يساوي الطريق نحو التحرر، فوضعوا قطيعة بين الإسلام و المسلمين و العرب، و من جانبهم كان العرب يرون أن العثمانيين هم السبب وراء عدم تأسيس دولة عربية موحدة ، رغم أن الإستعمار كان السبب وراء.
ويعتقدالأكاديمي التركي أنه ومند الخمسينيات بدأت فكرة جديدة وسط الشعب التركي و الحكومة التركية تقول أنه لابد أن نتواصل مع إخواننا العرب و إعادة قراءة تاريخنا بشكل صحيح فبدأت العلاقة العربية التركية تنضج تدريجيا إلى عهد أردوغان
ويؤكد أن فكرة إعادت الروابط بين الأتراك والعرب ليست فكرة أردوغان،لكن أردوغان مثله مثل السياسيين الإسلاميين الآخرين، تبنى هذه الأفكار، ميزته أنه استطاع تجميع نخبة سياسية تستطيع حمل هذه الأفكار و تطبيقها بقوة، وقبله كان هناك أشخاص آخرين مثل "نجم الدين أربكان" و "تورغوت أوزال" و غيرهم من السياسيين و العلماء و الشعراء كتبوا و ناضلوا و اعتقلوا من أجل هده الافكار.
ويبين " كورأوغلو":أنه وعلى مدى خمسين سنة قبل أردوغان كانت هناك محاولات لتفعيل هده الأفكار لكن الجيش كان قويا، و بالتالي كانت هده المحاولات تخفق إما بانقلابات أو تهديدات، لكن وعندما قامت مؤسسات المجتمع المدني، من أوقاف و مدارس للأئمة و الخطباء و كذلك ترجمة الكتب من اللغة العربية إلى التركية، كلها أمور ساهمة في تعريف الشعب على الدين الإسلامي بشكل صحيح، ومع الترجمات لعدد من الكتب الغربية استطعنا من خلالها التعرف اكثر على الديمقراطية و استفدنا من بعض المؤسسات الغربية في هذا الإطار بحكم علاقتنا المتميزة مع الغرب.
علاقة تركيا بالغرب قديمة
وفيما يتعلق بالسعي التركي للإنضمام إلى الاتحاد الاروبي، وكيف تستطيع تركيا أن توازن بين الإنضمام و المحافظة على علاقتها مع العرب، يعتقد "برهان كورأوغلو" بأن علاقة تركيا بالغرب لم تبدأ مع تأسيس الدولة التركية، وبسبب القرب الجغرافي كان الإحتكاك الثقافي موجودا منذ تأسيس الدولة العثمانية، لأنها نشأت في أراضي الدولة البيزنطية وأول وجود للدولة العثمانية وقامت في منطقة "إيزنيك" على خرابات الدولة البيزنطية و بعد ذلك قبل فتح إسطنبول فتحت بلاد البلقان، و لذلك كانت تركيا تعتبر دولة أوربية ليس بالمعنى الحرفي للكلمة و إنما بالمعنى الجغرافي، وخاصة بعد القرن 18 عندما أحست الدولة العثمانية أنها تتأخر في مسارها الحضاري بدأت تجدد مؤسساتها العسكرية و الطبية...و بدأت تتواصل مع أوربا الجديدة .
ويتابع" كورأوغلو" أنه مع تأسيس الجمهورية كان هنالك حلم عند النخبة المتغربة التي أسست الدولة، بأن يتم تحويل تركيا بالكامل إلى دولة أوروبية ليس فقط كمؤسسات تعليمية ولكن كهوية و كثقافة لكن هذه التجربة لم تنجح لأن الشعب هويته و ثقافته إسلامية، و هذا الأخير كان يريد فقط أن نستفيد من إنجازات الحضارة الغربية من علوم و تكنولوجيا أما الآن فلا نحتاج للانضمام للإتحاد خاصة و أنه لا يريدنا لأننا مسلمين.
مصطلح"النموذج التركي"
وفي تقييمه لإمكانية تكرار النمودج التركي في بعض البلدان، خاصة تونس و المغرب و مصر ،يشرح " كورأوغلو" بالقول أن السياسيين الاتراك لا يحبون مصطلح"النموذج التركي" لأكثر من سبب ، من بينها أن البعض يروج أن تركيا لها أجندة للسيطرة على تلك البلدان التي تضعها كنموذج، ثم إن لكل دولة خصوصيات، يمكن ان نستفيد من بعض التجارب و ننهل من معين ما يفيدنا لكن لا يمكن تكرار نفس النموذج، مثلا تونس و مصر كلاهما مرا بتجارب شبيهة من حيث اللقاء مع الغرب وعمليات التجديد في التاريخ.
أما فيما يتعلق بنقاط التقاطع ففي "مصر" إذا نظرنا إلى القرن 19 نجد أن مصر مصر و تركيا بداتا في نفس الفترة بعمليات التحديث بالمؤسسات مثل محمد علي باشا مثله مثل السلاطين العثمانيين حيث تم إرسال بعثات إلى الغرب من أجل تحديث مؤسساتها التعليمية و القضائية و لكن منذ مجيء عبد الناصر الى الحكم أصبح هناك ديكتاتوريات ، وفقدت مصر الآن نصف قرن من الزمن من عمليات التحديث ولا بد أن تراجع نفسها و تؤسس هذه المؤسسات من جديد خاصة مؤسسة المجتمع المدني، منوها أن تركيا تعتمد منذ فترة طويلة على هذه المؤسسة المهمة جدا، فالتغيير لا يمكن أن يتم من خلال الدولة، اما تونس فلأنه مجتمع صغير و مثقف نسبيا يمكن أن يتحرك و يتغير بسرعة، أما المغرب فهو منذ فترة طويلة تحت حكم ملكي و التغيير في هذا البلد مرتبط بالإرادة الملكية، يعني أن الملكية في بعض البلدان سلاح ذو حدين. ثم إن المغرب دولة طبيعية عندها سكان، و أراضي شاسعة معادن و شواطئ، ثم إذا استفادت من قربها من الغرب بشكل صحيح بدون تبعية عمياء، و استفادت من ثقافتها، وعملت على محاربة الأمية يمكن أن تنطلق بشكل قوي.
و للأسف كما يرى " كورأوغلو" هناك "ملوك أعمارهم فوق 80 سنة ومنهم من لا يريد التغيير"،
ويستذكر " كورأوغلو" أوضاع تركيا قبل 20سنة قائلا: كان منظرها مخيف، فقر و تخلف وجهل.. قمنا بتأسيس العدالة و التركيز على التنمية و توفر الإخلاص و الإيمان بما نقوم به ثم آمن الشعب أنه قادر أن يفعل.
الموقف التركي من سوريا
وفي تعليقه على موقف أردوغان من الأزمة السورية و الزعم بتراجع خطابه على هذا الصعيد يشرح " كورأوغلو" : يوميا أسمع خطابات رئيس الوزراء و لا أرى فيها أي تراجع لكن في الآونة الأخيرة أصبح يتحدث كثيرا عن موقف إيران، أما تجاه بشار الأسد فيوميا خطابه يحارب سياسة القتل و التذبيح الممارسة من النظام خاصة في شهر رمضان، منتقدا بعض وسائل الإعلام التي "تحاول إيجاد ثغرات في الموقف التركي".
وينتقد " كورأوغلو" بعض وسائل الاعلام التي تبث أخبارا مفادها أن تركيا يمكن أن تهاجم سوريا ويرى أن هذا "ليس من الحكمة، يعني أن تواجه دولة جارة مثل ما حصل مع إيران و العراق حين دخلتا حربا مدمرة لمدة 10 سنوات وو لم تستفيدا شيئا، هدفنا إذن أن تحل المشاكل بشكل سلمي " .
لانسعى للسيطرة
ويؤكد " كورأوغلو" أن تركيا لا تسعى إلى السيطرة على دول خارج حدودها لكن تريد أن تبني علاقات قريبة أكثر و إذا كان بالإمكان إزالة الحدود، طبعا ليس الحدود الرسمية لكن من خلال رفع التأشيرات مثل ما يحدث في أوروبا،من فتح المجال للعلاقات الإقتصادية القوية ، وأن تكون هناك منطقة اقتصادية و سياسية حرة. ثم إن أي دولة قوية اقتصاديا و قوية سياسيا بإمكانها أن تكون هي الدولة السائدة في المنطقة مثل ألمانيا مثلا فهي تتحكم في بعض القرارات الأروبية لأنها تنتج أكثر و تنتج سياسات أكثر فعالية، فهذا الذي يمكن أن يكون في المنطقة، أي دولة حتى و إن كانت صغيرة تكون عندها أطماح، و تركيا كباقي الشعوب تريد أن تكون دولة سائدة، و بالنسبة لأردوغان فهو رجل استراتيجي، منذ أن تولى الرئاسة يحب أن يضع التواريخ و يشغل فريقه بهذه الطريقة، و عادة ينجح في هذا بشكل كبير و يصل إلى هدفه قبل التوقيت الذي يضعه.
وحول توقعاته بشأن الأزمة في سوريا يرى " كورأوغلو" أن هناك عدة سيناريوهات و لا يمكنه أن يجزم بشأنها، لكن لابد أن يكون هناك اتفاق بين كل الأطراف و من تبقى من النظام، ومن المؤكد ان حزب البعث الذي يحكم منذ 40 سنة له مصالح ويمثل فئة كبيرة من الشعب، و كل الفصائل يجب أن تتفق على حكومة انتقالية و ليس تنفيذية، و هذه الحكومة تفتح المجال و تحضر لانتخابات حرة و نزيهة، كما يجري الآن في اليمن، صحيح أن الديمقراطية ليست أمثل نظام ولكن أفضل الموجود.
العلاقة مع اسرائيل
ويميل " كورأوغلو" في رصده للعلاقة التركية الإسرائيلية إلى القول بأنها لن تعود إلى طبيعتها حتى تعود الأراضي الفلسطينية لأصحابها، فتركيا تشعر أن عليها مسؤولية تجاه المنطقة وخاصة فلسطين فالأتراك دافعوا عن الأراضي المقدسة قبل العثمانيين أيام الهجمات الصليبية، و بعد أن أسسوا الدولة العثمانية كذلك دافعوا عن القدس، و لما حكموا القدس عملوا من أجل الحفاظ على هوية القدس ، ثم إن سقوط العثمانيين كان من بين أسباب سقوط فلسطين و لذلك لدى الأتراك هذا الشعور بالمسؤلية و أنها يمكنها المساهمة في تحرير هده الأراضي التي تشهد كل الأعراف الدولية انها محتلة، وتركيا قللت كثيرا من أشكال التعاون مع إسرائيل ، و ستستمر في اتخاذ المواقف مستقبلا ضد اسرائيل.
news_share_descriptionsubscription_contact
