حسين القباني/ الأناضول
بات مضيق باب المندب، أحد أبرز معابر الطاقة والتجارة العالمية إلى جانب مضيق هرمز وقناة السويس، في قلب معادلة أكثر تعقيداً منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية نهاية فبراير/ شباط الماضي، إذ تعاظمت أهميته بوصفه ممراً بديلا لإمدادات الطاقة، قبل أن يعيد التصعيد الحوثي الأخير في اليمن المخاطر إلى بوابته.
ومع سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية قرب المضيق واتساع نطاق التهديدات للسفن والبنية التحتية للطاقة، أصبح باب المندب، الذي يمر عبره 12 بالمئة من إجمالي التجارة العالمية السنوية، مصدر قلق متزايد لأسواق الشحن والطاقة العالمية.
ويربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، فيما يشكل بوابة العبور إلى قناة السويس شمالاً ومنها إلى البحر المتوسط، ما يمنحه أهمية استراتيجية بالغة للتجارة بين آسيا وأوروبا.
وتصاعدت المخاوف خلال الأسابيع الأخيرة مع تقدم الحوثيين في مناطق وجزر استراتيجية قرب المضيق، بما يمنح الجماعة قدرة أكبر على تهديد حركة السفن، وإن لم يعن ذلك سيطرة بحرية كاملة على الممر.
وفي 2023، وبعد اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول، بدأ الحوثيون شن هجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر وباب المندب مرتبطة بإسرائيل، ما دفع شركات شحن كبرى إلى تحويل مسارات سفنها نحو رأس الرجاء الصالح.
وانعكس ذلك بصورة مباشرة على حركة الملاحة عبر قناة السويس المصرية، حيث قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في تقديرات حديثة، إن بلاده خسرت نحو 11 مليار دولار من إيرادات القناة جراء اضطرابات البحر الأحمر.
والثلاثاء، ناقش مجلس الأمن الدولي التطورات المتعلقة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وحذرت السعودية خلال الجلسة من تهديدات الحوثيين، مؤكدة أن حماية الممرات البحرية وحرية الملاحة مسؤولية دولية مشتركة.
في اليوم ذاته، قال مدير إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية القطرية ابراهيم الهاشمي في إحاطة صحفية إن "العالم يعاني بما يكفي من إغلاق مضيق هرمز، وبالتالي لا يمكنه تحمل كلفة إغلاق مضيق باب المندب أيضا"، محذرا من أن تعطيل الملاحة في المضيقين ستكون له تداعيات "كارثية" على العالم.
وفي ظل هذه التطورات، تحدث للأناضول خبراء في الشؤون العسكرية والطاقة وسلاسل الإمداد من مصر وبريطانيا والعراق والجزائر، ورسموا 3 مسارات محتملة للأزمة: استمرار التصعيد، أو اتساعه إلى مواجهة إقليمية أكبر، أو التوصل إلى تسوية تعيد الاستقرار إلى الممر.
الخبير العسكري والاستراتيجي المصري العميد سمير راغب قال للأناضول إن "الحوثيين يمتلكون القدرة على فرض سيطرة نارية على مضيق باب المندب".
وأوضح أن الحوثيين "يتواجدون عسكريا في مواقع استراتيجية تحيط بالمضيق، بدءا من جزيرة ميون، مرورا بالمخا وحيس وجنوب الحديدة، وصولا إلى الشاطئ الشرقي بمحافظة ذمار".
وأشار راغب، وهو رئيس المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية، إلى أنه "كان هناك حل عسكري يتمثل في أن تحكم القوات الوطنية (الحكومية) سيطرتها على الساحل، وبالتالي تبعد الحوثيين عن تلك المناطق وينتهي تهديد المضيق، وهذا لم يحدث بعد، لكن لو استعادت القوات الوطنية كفاءتها ستعود للسيطرة وينتهي التهديد".
وعن طبيعة السيطرة الحالية، أضاف: "إذا تحدثنا عن السيطرة البحرية المباشرة، فالقطع الحربية التابعة للتحالفات الدولية هي الأعلى كفاءة، لكن المشهد لا يتعلق بمعركة بين أسطولين حربيين، بل باستهداف الحوثيين لقطع وسفن مدنية وتجارية، ما يخلق هلعا لديها ويدفع أسعار وتكاليف التأمين للارتفاع إلى ثلاثة أضعاف، والتحول إلى رأس الرجاء الصالح".
وحول احتمالات التصعيد والتهدئة، أشار راغب إلى أن "التصعيد لا يُستنتج بهذا الشكل العشوائي إلا إذا ورد احتمال دخول أحد التكتلات الفاعلة في المشهد على خط المواجهة العسكرية، فضلا عن تجنب الولايات المتحدة الانخراط العسكري المباشر".
وأكد أن الأمر لا يحتاج إلى تحالفات جديدة، خاصة أن هناك تحالفات موجودة بالفعل مرتبطة بأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، وتحتاج إلى تفعيلها والاضطلاع بدورها.
وحذر من تداعيات التوتر الحالي على حركة الشحن في تلك المنطقة الاستراتيجية، خاصة أن "رأس المال لا يحب رائحة البارود".
وأكد راغب أن "الخيار الأفضل هو التوصل إلى تسويات سياسية سلمية".
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الملاحة، إذ تزامن التصعيد في باب المندب مع اضطرابات في مضيق هرمز وتعطل مسارات بديلة لتصدير النفط، ما وضع أسواق الطاقة أمام ضغوط متزامنة.
الخبير الدولي في شؤون النفط والطاقة المقيم في بريطانيا ممدوح سلامة، قال للأناضول إن محاولات الحوثيين السيطرة على مضيق باب المندب، إضافة إلى إغلاق إيران مضيق هرمز، تمثل محاولة إيرانية لفرض شروطها على واشنطن، في ظل إمدادات عالمية من النفط والغاز آخذة في الاضمحلال، واستهلاك الدول الرئيسية المستهلكة للنفط جزءا كبيرا من احتياطياتها الاستراتيجية.
ولا يستبعد سلامة أن يؤدي ذلك الاضطراب المزدوج في ممري هرمز وباب المندب إلى ارتفاع سعر خام برنت فوق 108 دولارات، وربما إلى 110 أو 120 دولارا للبرميل، ما يفوق قدرة الاقتصاد العالمي على التحمل، ويؤدي إلى ارتفاع كلفة المعيشة والإنتاج الصناعي والغذائي.
ولا يعتقد سلامة أن هناك بديلا لهرمز وباب المندب، خاصة أن البدائل نفسها مهددة، موضحا أن السعودية حاولت، بعد إغلاق مضيق هرمز، الاستفادة من خط "شرق–غرب" الذي ينتهي بميناء ينبع على البحر الأحمر، إلا أن الخط تعرض مؤخرا لهجوم من الحوثيين وتوقف مؤقتا، ما أثر على صادرات المملكة.
والمشكلة الحالية، بحسب حديث خبير الطاقة عاصم جهاد مع الأناضول، هي أن الخطر بدأ يقترب من الممر البديل نفسه، خاصة مع توقف خط "شرق–غرب" السعودي، الذي يستطيع نقل نحو 5 ملايين برميل يوميا بصورة اعتيادية، مما سيحرم الأسواق النفطية، ولا سيما الآسيوية، من جزء من الإمدادات التي تعتمد عليها بصورة كبيرة.
وأوضح جهاد، وهو المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، أنه مع انخفاض تدفقات هرمز بصورة حادة، ارتفعت أهمية المسارات البديلة، وارتفع العبور النفطي عبر باب المندب من نحو 5.4 ملايين برميل يوميا في الربع الأخير من 2025 إلى نحو 8.1 ملايين برميل يوميا في الربع الثاني من 2026.
وأضاف أنه بذلك أصبح باب المندب والبحر الأحمر جزءا أساسيا من محاولة تعويض النقص في هرمز، الذي كان ينقل قرابة 20 مليون برميل يوميا من النفط قبل حرب إيران.
ويعتقد جهاد أن امتداد الأزمة إلى باب المندب أو استمرار تعطل الطرق البديلة لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل قد ينتج عنه أزمة مزدوجة في إمدادات النفط والغاز ضمن ضغوط متعمدة.
وأكد أنه لا يشترط أن تُغلق الممرات فعليا حتى تظهر هذه النتائج، فمجرد ارتفاع احتمالات الخطر يؤدي إلى زيادة أجور الناقلات وأقساط التأمين، وتغيير مسارات السفن وإطالة زمن الرحلات.
ورجح جهاد أن يكون خفض التصعيد والحوار والتوصل إلى اتفاق، المسار الأكثر قدرة على استعادة الاستقرار والأقرب احتمالا.
في المقابل، يعتقد الخبير الجزائري في مجال اللوجستيك وسلاسل الإمداد والتوريد نصر الدين بوغاشيش، في حديث للأناضول، أن "المشهد في البحر الأحمر وباب المندب يقف عند مفترق طرق حرج جدا".
وأفاد بأن "البيانات الميدانية والتحليلات البحرية تشير بوضوح إلى أن الأمور تتجه نحو سيناريو التصعيد واستمرار حالة عدم الاستقرار، بدلا من التهدئة وشيكة الأجل".
وأشار بوغاشيش إلى أن "السعي الحوثي الأخير لتوسيع النفوذ الميداني وتكثيف السيطرة النارية على باب المندب يهدف إلى استخدامه ورقة ضغط رئيسية في أي مفاوضات إقليمية محتملة".
ولفت إلى أن الضربات الاستباقية لم تنجح حتى اليوم في تحييد قدرات الحوثيين بشكل كامل، مما يجعل البيئة البحرية في المنطقة عالية المخاطر لفترة قد تطول.
ومن هذا المنطلق، هناك عدة سيناريوهات محتملة، بحسب بوغاشيش، أولها "السيناريو الأكثر واقعية حاليا، ويخص التصعيد المستمر وتعميق حالة عدم اليقين".
وأوضح أن هذا السيناريو "يعني استمرار استهداف السفن، خصوصا التجارية، بما فيها سفن الطاقة، أو توسيع نطاق المخاطر لتشمل خطوطا ومشاريع جديدة، ما سيدفع المزيد من شركات الشحن العالمية إلى هجر الطريق التجاري المباشر".
ويليه سيناريو آخر أقل احتمالا ولكنه وارد، وفق بوغاشيش، وهو اتساع المواجهة إلى صراع إقليمي أكبر يؤدي إلى انسداد شبه كامل للمضيق لفترات متقطعة.
أما السيناريو الثالث، فهو التهدئة والتسوية الشاملة، الذي يبدو حاليا ضعيفا والأبعد عن التطبيق، نظرا لتعقد الملفات الإقليمية والمرتبطة أساسا بالتوازنات التي تديرها إيران في المنطقة، لكنه غير مستبعد، بحسب بوغاشيش.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
