تونس - الأناضول
عادل الثابتي
كان الإعلام من أهم محاور التجاذبات السياسية في تونس بعد نجاح الثورة التونسية في 14 يناير/ كانون الثاني 2011، وعملت المؤسسات الإعلامية الخاصة والمملوكة للدولة على التأثير بكل قوة على الرأي العام وكان لها دور في توجيه الأحداث.
وما فتئ هذا الدور يتدعم منذ انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 التي أفرزت فوزًا لحركة النهضة.
وحسب أنصار "الترويكا" الحاكمة في تونس، المتـألفة من حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، فإن أغلب المؤسسات الإعلامية بما في ذلك تلك المملوكة للدولة اختارت الاصطفاف وراء القوى التي لم تفز في تلك الانتخابات وهي في أغلبها تنظيمات تضم اليساريين وأنصار حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي تم منعه من النشاط بعد الثورة.
وهي قوى تمكنت من الدخول إلى قبة المجلس الوطني التأسيسي بفعل قانون الانتخابات الخاص الذي صادقت عليه خلال صيف 2011 هيئة حماية الثورة برئاسة الأستاذ الجامعي عياض بن عاشور القريب من أطروحات اليسار الفكرية.
واليوم يلاحظ المتابعون استمرار حدة الاستقطاب في خصوص السيطرة على وسائل الإعلام في تونس ليس من حيث التأثير فقط بل من حيث امتلاكها.
لقد تمكن الحزب الذي يقوده رئيس الحكومة التونسية السابق الباجي قايد السبسي "نداء تونس" – حسب بعض التسريبات الإعلامية في تونس - من شراء أسهم في جريدة "المغرب" اليومية وهي أكبر صحيفة تونسية من حيث الميزانية المرصودة لها، ويصدرها الإعلامي المخضرم عمر صحابو، رئيس التحرير السابق لمجلة "حوار" الناطقة باللغة الفرنسية التي كان يصدرها الحزب الدستوري بزعامة الحبيب بورقيبة خلال سبعينيات القرن الماضي، وتبلغ ميزانية جريدة المغرب حوالي تسعمائة ألف دولار، وتقدر بعض المصادر أن ميزانيتها الفعلية هي أكبر من ذلك بكثير.
ويعتبر الملاحظون في تونس أن حزب الباجي قايد السبسي يحظى بمساندة فعالة من قناة "نسمة" إحدى أهم القنوات الخاصة في تونس من حيث نسبة المشاهدة والتأثير في الناس بل أصبحت القناة مصطفة إلى جانبه بعد دخول زوجة مدير هذه القناة نبيل القروي إلى الهيئة القيادية لحزب الباجي قايد السبسي.
وتُتداول معلومات اليوم في تونس عن دخول الملياردير السعودي الوليد بن طلال شريكًا في قناة نسمة وهو ما سيؤكد اعتماد حزب "نداء تونس" على هذه القناة في الدعاية لبرنامجه خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة، خاصة إذا علمنا عمق العلاقات التي تربط الباجي قايد السبسي بالأمير السعودي رغم أن الباجي يقدم الوليد بن طلال كمعجب بأفكاره.
ولكن الإعجاب لا يؤدي إلى اللقاءات الخاصة التي نُظمت بين الوليد بن طلال والباجي قايد السبسي خلال شهر مايو/ أيار الماضي بحضور سلفيو برلسكوني، رئيس الحكومة الإيطالية السابق، وأحد مالكي القناة المذكورة.
ويذهب المتابعون إلى أنها مساندة فعالة من هذه القوى المالية لبرامج الباجي قايد السبسي السياسية والإعلام سيكون إحدى وجوهها.
كما تم تسجيل التحاق صاحب قناة "الحوار التونسي" الفضائية الطاهر بن حسين بحزب نداء تونس مما سيجعل هذا الحزب يخوض معاركه القادمة مدعومًا بمؤسستين تلفازيتين.
إلا أن الاصطفاف الإعلامي المباشر في قضية الانتخابات القادمة يعاضده مجهود آخر تؤمنه عديد الصحف والقنوات الأخرى إذ إن عديد المؤسسات الإعلامية الأخرى لم تكن سوى أملاك خاصة لعائلة الرئيس السابق ولا زالت على علاقة روحية بالمؤسسين القدامى.
فإذاعة "موزاييك" الخاصة كانت من تأسيس بلحسن الطرابلسي شقيق زوجة الرئيس السابق و"شمس إف إم" كانت ملك ابنة الرئيس السابق أيضًا، فيما كانت شركة "كاكتوس" للإنتاج الإعلامي التي تملك اليوم قناة "التونسية" لصاحبها سامي الفهري الموقوف حاليًا في السجن على خلفية قضايا استغلال نفوذ وفساد تضررت منها التلفزة الوطنية خلال السنوات الأخيرة من حكم بن علي.
كما كانت غالبية الصحف اليومية التي تصدر اليوم في تونس تحت وصاية النظام السابق وكل وسائل الإعلام هذه أظهرت من الانحياز - حسب مناصري الحكومة - ضد الترويكا الحاكمة ما يؤشر إلى أنها ستكون في خدمة القوى المناهضة لها في الانتخابات القادمة.
وحتى الصحف والقنوات المملوكة للدولة لم تشذّ عن هذه القاعدة فكثيرًا ما وجّهت لها الترويكا وأنصارها تهم الانحياز إلى المعارضة أو تجاهل أنشطة الحكومة والتعتيم عليها وهو ما سيكون له الأثر الكبير على نتائج الانتخابات القادمة.
ويسجل اليوم قارئ الجرائد التونسية التي تمولها الدولة نشر عديد المقالات المناهضة للحكومة يكتبها إعلاميون معروفون بمساندتهم للنظام السابق وانقلبوا إثر ثورة 14 يناير 2011 إلى ثوريين، وهنا لا يجب أن ننسى كذلك أن الحكومة هي التي عينت أغلب مسؤولي هذه المؤسسات الإعلامية.
ولقد كانت العلاقة بين الإعلام وحركة النهضة علاقة عدائية منذ أن استعمل الرئيس السابق سلاح الصحافة لمواجهة خصومه من الإسلاميين في بداية التسعينيات من القرن الماضي، فأنصار حركة الهضة لن ينسوا سيل التهم التي وجهها لهم الإعلام طوال فترة حكم بن علي، والإعلام سيبقى متوجسًا من هذه الحركة خوفًا من الانتقام.
وبُعَيْد الثورة، شهدت الساحة الإعلامية تحريضًا كبيرًا ضد عودة الإسلاميين إلى النشاط السياسي الحر، كما شهدت حملة من الإسلاميين ضد ما يسمونه بـ"إعلام العار" في إشارة إلى الإعلام الموروث عن فترة حكم بن علي.
ومع وصول الإسلاميين إلى السلطة ضمن ائتلاف الترويكا لم تهدأ العاصفة بينهم وبين وسائل الإعلام التي لم تتخلص في معظمها من الإرث الاستبدادي الذي التصق بها مع عهد الرئيس السابق، كما أن النقابات التي يسيطر عليها اليسار لأسباب تاريخية سرعان ما اصطفت إلى جانب القوى المعارضة للترويكا الحاكمة وللإسلاميين من حزب حركة النهضة بصفة خاصة. ودعم هذا الاصطفاف أخطاء قاتلة ارتكبها المسؤولون عن قطاع الإعلام في الحكومة بتعيينهم مسؤولين عن مؤسسات صحفية وتلفازية وإذاعية عمومية من ناشطي حزب التجمع المنحل، مما جعل اليساريين والتجمعيين يتوحدون موضوعيًا لمواجهة الحكومة.
ويستمر الصراع بين الطرفين إلى اليوم إذ أعلنت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين هذا الأسبوع عن تنظيم إضراب عام في قطاع الإعلام في تونس يوم 17 من تشرين الأول/ أكتوبر القادم.
ويتزامن هذا الفشل في إدارة الشأن الإعلامي من قبل الحكومة مع فشل آخر في عدم تمكن حركة النهضة ولا عناصر قريبة منها من تركيز مشاريع إعلامية مؤثرة في الساحة مثل القوة السياسية التي ترتكز على الإرث الإعلامي الموروث من فترة حكم الرئيس السابق بن علي مؤسسات وثروة بشرية.
ورغم ما يُتداول في الساحة من أخبار حول امتلاك قنوات تلفازية لعناصر من حركة النهضة مثل ربط قناة الزيتونة ضعيفة الأداء وقليلة الاحتراف بالوزير المستشار لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون السياسية لطفي زيتون فإن الحقيقة الماثلة بين أيدي كل المتابعين هو تملك التيار الإسلامي النهضوي لصحيفتين أسبوعيتين فقط هما صحيفة "الفجر" الناطقة بلسان حركة النهضة، وصحيفة "الضمير" التي يموّلها رجل أعمال تونسي يقيم خارج البلاد وهي تصدر كذلك أسبوعيًا.
ويُجمع أغلب المتابعين اليوم للشأن الإعلامي في تونس على أن حركة النهضة ستدخل الرهانات القادمة في البلاد، وخاصة رهان الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة التي ستحدد مصير البلاد وهوية مشروعها السياسي، وهي فاقدة لأي مؤسسات إعلامية تدافع عن خياراتها في حين يمتلك منافسوها ترسانة من المؤسسات الإعلامية، فهل سيستمر هذا المشهد غير المتوازن بين أهم الفاعلين السياسيين في تونس أم سيسعى "فقراء الإعلام" إلى امتلاك مؤسسات إن لم تخدم مشروعهم فإنها توفّر لهم فرصة توضيح مواقفهم وتمكنهم من الوصول إلى أوسع قطاعات الشعب، طالما أن حلم الإعلام المحايد والمستقل صعب المنال في الفترات الانتقالية حيث يستمر الصراع بين القديم الماسك بآليات اللعبة وخفاياها وقوانينها والجديد الذي يبحث عن فهم كنه الأشياء ويرتكب أفظع الأخطاء.
news_share_descriptionsubscription_contact
