إسطنبول/ الأناضول
أصبح الطبيب الأمريكي من أصل مصري عبد الرحمن السيد، المعروف باسم "عبدول السيد"، على بُعد خطوة من دخول التاريخ كأول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، بعدما فاز، الأربعاء، بترشيح الحزب الديمقراطي عن ولاية ميشيغان.
وجاء فوز السيد بعد منافسة محتدمة مع عضوة مجلس النواب هايلي ستيفنز، في نتيجة عُدّت انتصارًا للجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ومؤشرًا جديدًا على تنامي نفوذ التيار التقدمي في واحدة من أهم الولايات المتأرجحة في الولايات المتحدة.
وأظهرت النتائج النهائية، بعد فرز 99 بالمئة من الأصوات، حصول السيد على 740 ألفًا و963 صوتًا، بنسبة 48.5 بالمئة، مقابل 726 ألفًا و65 صوتًا لستيفنز، بنسبة 47.5 بالمئة، فيما حلت مالوري ماكمورو في المركز الثالث بحصولها على 61 ألفًا و252 صوتًا، بنسبة 4 بالمئة.
وسيخوض السيد الانتخابات العامة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل أمام الجمهوري مايك روجرز، المدعوم من الرئيس دونالد ترامب، في سباق قد يسهم في تحديد الحزب الذي سيحظى بالأغلبية في مجلس الشيوخ.
وعقب إعلان النتائج، كتب السيد عبر منصة شركة "إكس" الأمريكية: "شكراً ميشيغان. أحبكم من أعماق قلبي"، قبل أن يتعهد، في منشور آخر، بمواصلة حملته لإبعاد المال عن السياسة، وتعزيز السياسات الاجتماعية، وتوفير الرعاية الصحية للجميع.
وُلد السيد (41 عامًا) في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيغان لأبوين مهاجرين من مصر، وتخرج في جامعة ميشيغان، قبل أن يحصل على شهادة الطب من جامعة كولومبيا، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد.
وبرز اسمه لأول مرة على الساحة السياسية عام 2018، عندما خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمنصب حاكم ميشيغان. ورغم خسارته أمام غريتشن ويتمر، نجح في ترسيخ حضوره داخل الجناح التقدمي للحزب.
ولم يكن يعتزم الترشح لمجلس الشيوخ، لكنه قال إن قرارات إدارة ترامب العام الماضي بتجميد التمويل الفيدرالي لبرامج ومراكز صحية، من بينها مؤسسات في ميشيغان، دفعته إلى خوض السباق.
وكان يشغل آنذاك منصبًا قياديًا في قطاع الصحة العامة بمقاطعة واين، وقال خلال حملته الانتخابية إن تجميد هذه الأموال، إلى جانب إرسال أموال دافعي الضرائب الأمريكيين إلى إسرائيل لتمويل قصف أطفال غزة، كان من أبرز دوافع ترشحه.
وتعكس المنافسة بين السيد وستيفنز الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي بشأن العلاقة مع إسرائيل، والرعاية الصحية، ونفوذ الشركات، وكيفية مواجهة ترامب.
ويُعد السيد أحد أبرز الوجوه الصاعدة في التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، إذ يرى أن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والسكن وتراجع القدرة الشرائية ليست مشكلات منفصلة، وإنما نتائج مباشرة لخيارات سياسية واقتصادية.
ويتعهد بتوسيع مظلة الرعاية الصحية، والحد من تأثير الأموال وجماعات الضغط في الحياة السياسية، وتعزيز السياسات الاجتماعية.
كما يقدم نفسه مرشحًا مستقلًا عن المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي، ويحظى بدعم شخصيات تقدمية بارزة، من بينها بيرني ساندرز، وإليزابيث وارن، وعضوة مجلس النواب ألكساندريا أوكاسيو كورتيز.
ويُعد موقف السيد من الحرب الإسرائيلية على غزة أحد أبرز الملفات التي ميزت حملته الانتخابية.
فهو يصف ممارسات إسرائيل في القطاع بأنها "إبادة جماعية" و"فصل عنصري"، ويؤكد دعمه للحقوق السياسية والإنسانية المتساوية للفلسطينيين والإسرائيليين.
كما يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية غير المشروطة لإسرائيل، مؤكدًا أن عضو مجلس الشيوخ مسؤول عن كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
وخلال مقابلة مع شبكة "سي إن إن" في يوليو/تموز الماضي، سُئل عما إذا كان يؤمن بحق إسرائيل في الوجود، فأجاب بأن "هذا السؤال فخ تغذيه منظمة أيباك"، مضيفًا أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ينبغي أن تحصل إسرائيل على أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
وبدعم أمريكي، بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، أسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد على 174 ألفًا، معظمهم من الأطفال والنساء، فضلًا عن دمار طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية في القطاع.
وفي عام 1948، أُقيمت إسرائيل على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجّرت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، ثم احتلت لاحقًا بقية الأراضي الفلسطينية، ولا تزال ترفض الانسحاب منها وإقامة دولة فلسطينية، وفق قرارات الأمم المتحدة.
وتحظى ستيفنز، عضوة الكونغرس لأربع دورات، بدعم منظمات مقربة من "أيباك"، وهي من المؤيدين البارزين لإسرائيل، كما تحظى بدعم شخصيات قيادية في الحزب الديمقراطي، من بينها زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، وحاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر.
في المقابل، يقدم السيد نفسه مرشحًا مناهضًا للمؤسسة الحزبية، ومستعدًا لمواجهة جماعات الضغط في واشنطن، ويحظى بدعم شخصيات بارزة، من بينها السيناتوران بيرني ساندرز وإليزابيث وارن، وعضوة مجلس النواب ألكساندريا أوكاسيو كورتيز.
ويرى خبراء في الحزب الديمقراطي أن هذه الانتخابات التمهيدية تمثل اختبارًا لمدى تنامي إحباط الناخبين من الأوضاع الاقتصادية ومن أداء المؤسسة الحزبية.
ويعتبر مراقبون أن حملة السيد في ميشيغان، وهي ولاية تجمع بين الطابعين الصناعي والريفي، تندرج ضمن صعود أوسع لليسار الأمريكي الجديد، الذي برز خلال السنوات الأخيرة مع شخصيات مثل بيرني ساندرز وأوكاسيو كورتيز وزهران ممداني، الذي أصبح أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك.
كما يرى المراقبون أن هذه الانتخابات تمثل اختبارًا لقدرة اليسار الديمقراطي الجديد على توسيع نفوذه خارج معاقله الحضرية، قبل ثلاثة أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وفي حال فوزه في الانتخابات العامة، سيصبح السيد أول مسلم يُنتخب عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي، في سابقة تاريخية تعكس التحولات المتسارعة داخل الحزب الديمقراطي والمشهد السياسي في الولايات المتحدة.
news_share_descriptionsubscription_contact
