تونس/ الأناضول-رضا التمتام - تمثّل الزيارة الأولى للرئيس تونسي محمد المنصف المرزوقي إلى تركيا اليوم دليلا على تسارع تدريجي في نبض العلاقات الثنائية بين البلدين، سيّما وأن الزيارة ستتوج بتوقيع اتفاقيات في ميدان التعاون الاقتصادي وتركيز ثوابت التعاون السياسي والثقافي المشترك.
ومن البديهي الإشارة عند كلّ محاولة تعمّق في فهم التطور التدريجي لمستوى العلاقات التركية التونسية اليوم إلى أن هذا التقارب بين الدولتين لم يكن وليدا يتيما لمخاض ثورات الربيع العربي، بل هو تقارب بدأت أسسه في التشكّل منذ عام 2002 مع صعود "العدالة والتنمية " إلى سدّة الحكم التركي واعتماد نسق جديد من سياسية " الانفتاح الإستراتيجي " على دول الجوار، إذ أشار مهندس السياسية الخارجية التركية أحمد داوود أغلو في كتابه (العمق الإستراتيجي.. موقع تركيا ودورها في السياسة الدولية) إلى أهمية الانفتاح التركي على الحوض الغربي للمتوسط والتوغّل في الفضاء الإفريقي، لتكون بذلك الجمهورية التونسية أحد أهمّ محاور التبادل الإستراتيجي لتركيا سيّما مع التقارب الثقافي والسوسيولوجي (الاجتماعي) للشعبين.
ويعدّ مشروعي "مطار النفيضة الدولي" شمال تونس، و"مصنع أسمنت قرطاج" (الأكبر في شمال إفريقيا) من أهمّ مشاريع الانفتاح الاستثماري التركي في تونس ما قبل الثورة، ورغم ذلك وعلى أهميّة هذه الاستثمارات إلاّ أنّها ظلّت شبه مجمدة بين حكومتي البلدين نظرا للطابع الديكتاتوري لنظام زين العابدين بن علي وعدم الرغبة التركية في التعاون الكامل مع نظام بات أنموذجا للقمع والفساد في المنطقة.
أردوغان يهنئ تونس بثورتها
إنّ رياح التغيير الثوري التي هبّت على تونس بداية عام 2011 سرعان ما انشرحت لنسائمها جماهير الشعب التركي بل ولقيت دعما صريحا وإعجابا من أعلى هرم في سلطة "البوسفور"، فقد كان أوردوغان من أوائل زعماء العالم تهنئة للشعب التونسي بثورته وأعلن دعم بلده الكامل لهذه التجربة الفريدة في "التغيير الديمقراطي السلمي"، حرصا على مساندة تحرر الشعوب العربية من براثن الديكتاتورية وتيسيرا لعملية بناء علاقات تركية تونسية جديدة وفق رؤية تستند إلى عمق الجذور الثقافية بين الشعبين من جهة وأهمية الأبعاد الاستراتجية لأي تكتّل سياسي واقتصادي تونسي تركي من جهة أخرى.
تتالي الزيارات المتبادلة
يتفق الملاحظون في تونس أن "الثورة لم تخلّص الشعب التونسي من هيمنة النظام البوليسي فقط بل فتحت له آفاقا جديدة في ملف العلاقات الدولية لهذا البلد النامي"، إذ ساهمت الثورة في تحرير الشعب من رؤية دولية واحدة كانت تقوم على علاقة أحادية مع أروبا وذلك "وفق إملاءات فرنكفونية بحتة"، حيث أرسل النظام الفرنسي قبل يوم واحد من هروب بن علي سفينة إلى النظام التونسي مدججة بقنابل الغاز والهروات لقمع الثورة في مهدها.
وبدت اليوم أمام التونسيين فرصة لرسم خارطة جديدة من العلاقات الدولية متعدّدة الاتجاهات تقوم على مبدأيْ "التوازن والتعامل بالمثل". وعلى هذا النحو بدت التجربة التركية من بين التجارب الأكثر استلهاما للتونسيين خاصّة في سبل تحقيق ثلاثة مطامح عاجلة وعلى قدر عال من الأهميّة : إنجاح التجربة الثورية السلمية و تأمين مسار الانتقال الديمقراطي والخروج من الأزمة الاقتصادية المستفحلة ما بعد الهزّة الثورية.
لقد تطورت ما بعد الثورة الزيارات الرسمية المتبادلة بين البلدين فقد حلّ رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان ولأوّل مرّة منذ وصوله للحكم قبل عشر سنوات ضيفا على التونسيين في سبتمبر/أيلول عام 2011 في ظلّ الحكومة الانتقالية برئاسة الباجي قائد السبسي وتلته زيارة رئيس الدولة عبد اللّه غول في مارس/آذار من العام الماضي وخطابه التاريخي تحت قبّة المجلس الوطني التأسيسي والذي بدأه بالتأكيد على عمق التاريخ المشترك للشعبين من خلال حديثه عن التشابه في "العلمين الرسميين" وتجربتي "التحديث".
كما أن رئيس الحكومة السابق حمّادي الجبالي كانت له زيارتين إلى تركيا بهدف تتويج رغبة التعاون المشترك بين البلدين إلى مشاريع وخطط عمل مشترك، تواصل الإعداد لها في ظلّ حكومة علي العريض الذي زار أنقرة منذ أقلّ من أسبوع برفقة وفد وزاري كامل.
على ذات المستوى سجلّت الرحلات الرسمية بين البلدين تطورا كبيرا أمّنها في مناسبات متتالية، منذ الثورة، كبار المسؤولين على غرار بكر بوزداغ وبشير اطلاي (مستشاري أردوغان ) والوفود الوزارية التونسية وعدد من قيادات العمل السياسي أمثال زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي.
إسلاميو تونس و"العثمانيون الجدد"
يرى كثير من المراقبين أن أسس الانفتاح التركي التونسي "تعزّزت" بفضل "التقارب" الإسلامي بين تجربتي حزبيْ حركة النهضة ( لم يعترف به إلاّ بعد الثورة) وحزب العدالة والتنمية الذي لا ينفي قياديوه الأتراك سرّا وجهرا استفادتهم الكبيرة من "الأفكار الإسلامية المعتدلة" للغنوشي زعيم حركة النهضة ومن "مقارباته في عدم التّضاد بين الإسلام والديمقراطية والتعدّدية".
ورغم هذا التقارب الفكري فإن تصريحات الطرفين حول "استنساخ" التجربة التركية في تونس كانت حذرة بحكم اختلاف السياقات والمتغيّرات بين التجربتين وقد عبّر عن ذلك صراحة الغنوشي عندما اعتبر في ندوة فكرية بتونس العام الماضي لمركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي "سيتا SETA " أن "التجربة التركية للاستفادة منها لا استنساخها"، وكأن في ذلك تماه مع تصريحات أردوغان المثيرة في زيارته الشهيرة لمصر والتي قال فيها "لا تقلقوا من العلمانية" في رسالة ضمنية للحركات الإسلامية.
في ذات السيّاق بات التقارب الفكري بين النهضة التونسية التي تقود الإتلاف الحاكم والعدالة والتنمية التركي يثير قلق المعارضة العلمانية اليسارية في تونس التي عبّر قياديوها عن "تخوّفهم من أن يكون الدعم التركي ليس لتونس ولشعبها بقدر ما هو دعم لحركة النهضة والإسلاميين"، بل وتعتبر "الحركة القومية العربية في تونس" المعارضة أن "تركيا من خلال هذا الانفتاح على تونس إنّما هو عودة لعثمانيين جدد من أجل بسط نفوذهم في المنطقة العربية والشرق الأوسط ".
مجلس أعلى للتعاون الاستراتيجي
في25 كانون الثاني 2012 وقع رئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي ونظيره التركي رجب أردوغان خلال موكب رسمي بالعاصمة التركية أنقرة على وثيقة الإعلان السياسي لـ "إنشاء مجلس أعلى للتعاون الاستراتيجي بين تونس و تركيا " بهدف إضفاء صبغة مؤسساتية لتفعيل علاقات التعاون بين البلدين بشكل يضع رغبات التقارب والتأسيس الإستراتيجي المشترك ضمن مؤسسة رسمية، ومن المنتظر أن يوقّع الرئيس محمد المنصف المرزوقي رسميا في زيارته التي من المقرر أن تبدأ اليوم الثلاثاء إلى تركيا على تفعيل البرامج الثنائية الاقتصادية والثقافية والسياسية الموضوعة ضمن مؤسسة المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي.
واعتبر أردوغان عند توقيع اتفاقية إنشاء هذه المؤسسة أن "تركيا شعبا وحكومة تقف بجانب تونس في سعيها إلى الديمقراطية"، مشيرا إلى أن "نجاح تونس في أي شيء يعد نجاحا لتركيا"، في حين ذكر الأمين العام لحزب حركة النهضة حمّادي الجبالي في تعليقه على إنشاء هذا المجلس أن "العلاقة بين تونس وتركيا بلغت مستويات غير مسبوقة على الإطلاق وأنّهم لن يسمحوا بتراجع العلاقات بينهما على الإطلاق و العمل على تطوير العلاقات التركية التونسية، بل التركية العربية بشكل عام، وذلك لتكوين توازن قوى جديد، وقطب حضاري كبير".
دعما للاقتصاد التونسي
وشهدت العلاقات الاقتصادية التونسية منذ الثورة تطورا كبيرا إذ قدمت تركيا دعما ماليا بقيمة 333 مليون دولار منها 66 مليون في شكل هبة لدعم الميزانية والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والشراكة بين رجال أعمال الجانبين.كما قدمت مؤسسة "تيكا " (الوكالة الفنية للتنسيق والتعاون الدولي) التركية الشهر المنقضي هبة تتمثل في 434 من السيارات الأمنية وسيارات خدمات بلدية، بقيمة إجمالية تُقدر بنحو 30 مليون دولار.
ووقعت الدولتين نهاية العام الماضي اتفاقية شراكة يتم بمقتضاها إنشاء مجموعة من الشركات الصناعية في تونس في شكل مدينة صناعية (تونسية تركية ) بمحافظة أريانة شمال تونس على حوالي 100 هكتار و تهدف إلى بعث 1000 شركة مندمجة ذات حجم صغير ومتوسط.
كما منحت تركيا قرضا لتونس بقيمة 500 مليون دولار بفائدة ضعيفة وعلى امتداد عشر سنوات.
news_share_descriptionsubscription_contact


