تسنيم عرفات
غزة - الأناضول
لن يضطر المسن الفلسطيني "أبو عزات"، أن يردد الآن عبارته المشهورة التي كان يرددها كلما بدء الليل يلقي بظلاله:"جاء الغول يا أولاد..جاء الغول".
الأذكياء من سكان حارته، يفهمون قصده جيدا، فهو لا يقصد بـ"الغول"، سوى "الليل"، الذي لم يكن يحمل للغزيون خلال الهجوم الإسرائيلي الأخير المعروف باسم "عمود السحاب"، سوى "الرعب" و"الموت".
فخلال الأيام الثمانية التي قضاها فلسطينيو قطاع غزة تحت وقع الغارات العنيفة، كان الليل يشكل لهم تحديا كبيرا، حيث يشتد فيه القصف، ويصاب الأطفال والنساء بالهلع والرعب.
واليوم بعد أن تم تطبيق وقف إطلاق النار، عادت الأمور إلى طبيعتها، وعاد للليل بهاؤه وسحره الخاص.
وأعلنت مصر عن نجاحها في إبرام هدنة بين حركة حماس وإسرائيل مساء أمس الأربعاء، بعد 8 أيام من بدء إسرائيل 14 نوفمبر/ تشرين ثان الجاري هجومها على قطاع غزة، باغتيال نائب القائد العام لكتائب القسام الجناح المسلح لحركة حماس أحمد الجعبري، أعقبته بتوجيه غارات جوية متواصلة، دون توقف، كما فرضت قوات البحرية الإسرائيلية حصاراً على سواحل غزة، ودفعت بحشودها العسكرية ودباباتها على الحدود مع القطاع.
"سمر" طفلة في التاسعة من العمر، اعتادت على النوم في غرفتها، وبين ألعابها مع حلم جميل يداعب خيالها كل يوم, إلى إن حلت تلك الساعة التي غيرت روتين حياتها بلمحة بصر وبددت جمال الطفولة التي تحلم بها.
ببريق عينيها وصوتها الذي يتدفق مرتجفا ويبدو عليه الإرهاق والتعب، روت سمر لمراسل وكالة الأناضول للأنباء اليوم الخميس، تلك الأيام التي عاشتها وكأنها تروي قصص خيالية رأتها في أفلام الرعب والخيال، لكن الصورة كانت أبلغ من التعبير.
عبرت سمر عن خوفها بقولها باللهجة العامية:" أنا بخاف من الليل كتير(كثيرا) وصوت القصف برعبني(يرعبني) وأهرب لحضن ماما وأنام عندها، وكتير بشوف (كثيرا ما أرى)أطفال ماتوا تحت الحجارة".
أما مرام الشنطي ( 35 عامًا)، والدة الطفلة سمر، فتقول لمراسل الأناضول: "ابنتي تستيقظ من النوم وعلامات الفزع تبدو عليها، ومع سماعها لدوي الإنفجارات وأصواتها التي تملأ المكان, تستمر سمر في حضني ولا تفارقني طيلة الليل".
وأضافت الشنطي: "كانت سمر تنام في غرفتها مع إخوتها دون خوف أو قلق، ولكن مع بداية القصف الإسرائيلي على غزة أصبحت الغرفة بالنسبة لها وكأنها مكان للرعب ولا مأمن فيه".
وأردفت:" مع دخول التهدئة حيز التنفيذ شعرت سمر بفرحة غامرة, وبدا ذلك واضحا من تصرفاتها التي تجلت للجميع".
ولفتت الشنطي إلى أن سمر في أول ليلة من الهدوء الذي عم أرجاء القطاع, أبت إلا أن تنام في سريرها مع إخوتها وبين ألعابها التي اشتاقت إليها.
وتبدو قصة "سمر" مثالا للغالبية الساحقة من أطفال قطاع غزة، الذين تسببت لهم الغارات الليلية بحالات هلع ورعب.
وليت الأمر يتوقف على هذا الحد، فالأطباء النفسيون يحذرون من أن استمرار تعرض الاطفال لهذه الدرجة العالية من الخوف، قد يجعلهم يعانون من صدمات نفسية، وأعراض مرضية منها التبول اللاإرادي، والاكتئاب، والانعزالية، والكوابيس.