محمد شيخ يوسف
إسطنبول- الأناضول
روى الناشط الإعلامي، "فراس أبو بحر"، الذي أفرجت عنه قوات أمن النظام السوري مؤخرا، مشاهدات عن الحالات التي عايشها، خلال فترة الاعتقال، وكيف أدى تعذيب المعتقلين، إلى مقتل عدد منهم، ربما كان لهم دور في مستقبل سوريا.
يتوزع في الطابق السادس في المشفى، غرف لفروع الأمن المختلفة، ويوضع كل واحد في غرفة حسب الحالة، ويعطى رقما، وكشف فراس، الذي فضل عدم ذكر اسم عائلته، حرصا على سلامتها، لمراسل الأناضول، في اسطنبول، أنه سجن في مشفى حرستا العسكري، الذي يعتبر أسوأ كثيرا من فروع الأمن، ولم يلق أحد الضوء عليه، بعد أن اعتقلته لجان شعبية في جرمانا.
واضاف أنه لا يسمح لأي كان الكشف عن اسمه، لأي كان، ويكون المعتقل مقيد الأيدي والأرجل، على سرير قد يشاركه شخصين أو ثلاثة فيه، ويكون الجميع معصوبي العينين.
وتابع مضيفا، الحديث عن مجند يدعى "معن"، كانت مهمته الوحيدة، الضرب في كل الأوقات، دون أي سبب، عندما يكون المعتقلون نائمين، فإن سئل عن سبب ذلك، يتهم المعترض بالكلام من دون إذن، وإن رفض التهمة، يواصل ضرب المعتقل، بتهمة تكذيب السجان، لافتا إلى أنه كان يطفئ سجائره في أجساد المعتقلين، يعاونه في ذلك الأطباء والممرضون، مشيرا إلى أنه بقي في المشفى تسعة أيام، أعطي خلالها حبة مسكن واحدة، فيما أطفئت عشرون سيجارة في جسده.
وأضاف فراس، أن المعتقل رقم 26، وكان مريضا بالقلب، ويتألم من شدة الألم، مطالبا جلاده "معن"، بإعطائه الدواء المناسب، إلا أنه نهره بقسوة قائلا: فلتمت، وبقي الشاب رقم 26 يئن مناديا، "قلبي قلبي"، إلى أن انقطع صوته بشكل نهائي، فناداه فراس، إلا أنه لم يجبه.
وأكد أنه عند الساعة الثالثة فجرا، طلب من المعتقلين النهوض من أماكن نومهم، وهم مقيدون، وعندما نادى للرقم 26 بالنهوض، بعبارات نابية، لم يستجب، فجلده "معن"، رغم أنه كان قد فارق الحياة، فاتصل "معن" بعمال براد المشفى، متأسفا على إزعاجهم، وملقيا التهمة على الميت 26 ، طالبا منهم محاسبته على الإزعاح، وبعد قضاء "معن" لساعتين يتسامر فيها مع عمال البراد، نقلت الجثة.
وبين فراس، أن نشاطه بداية الحراك، كان إعلاميا، ولم يكن ميدانيا، كان مصورا يحب أن يظهر حقيقة ما يجري في سوريا، فكانت الكاميرا سلاحه الوحيد، بين يديه، لتصوير المظاهرات، وسلاحه الثاني كانت حنجرته، وكتابته الأناشيد.
ويتركز التعذيب في المعتقل، حسب فراس، على الجانب النفسي، حيث الضرب والتعذيب، ولكن الأصعب هو الجلوس في غرفة أبعادها مترين مربعين، تسمع فيها أصوات تعذيب المعتقلين الآخرين، في ظروف البرد والخوف.
ويضيف أنه فجأة أصبح العدد في المكان الضيق، 12 شخصا، مجبرون على البقاء واقفين، ولا يستطيع أحد الجلوس أو النوم، مما يؤدي إلى الإرهاق الجسدي والنفسي، كما أن السجان يرعب المعتقلين باستمرار وحسب مزاجه.
ووصف فراس الطعام الذي كانت ادارة السجن تقدمه لهم، بأنه كان سيئا وقليلا ورديئا، وكان يعطى مرتين يوميا، وفي إحدى المرات، أحضروا لاثني عشر معتقلا، ثلاثة بيضات مسلوقة، مع حبتي طماطم، لعشاء اليوم، وفطور اليوم التالي.
وعن مشاهداته تعذيب معتقلين آخرين، أكد فراس أنه كان شاهدا على تعذيب شاب يدعى، روحي نداف، من منطقة زملكا، وسمته والدته روحي، لأنها رزقت به بعد فترة طويلة من الصبر، وكان يعذبه مساعد أول، تعذيبا قاسيا، وكان نتيجة ذلك أن قتل تحت التعذيب، واصفا هذه الحالة بأنها ليست طبيعية، لأناس يقتلون شابا صغيرا، تكون عقوبة المجرم، تنزيل الرتبه فقط، اذا جرت معاقبته أصلا، وتكون تهمة المقتول، بأنه ناشط في الثورة.
وتحدث أيضا عن تعذيب آخر تعرض له، من قبل لجان شعبية، حيث علق من يديه، ليومين من أجل انتزاع اعتراف منه، بأنه من الجيش الحر، عندما كان يتجول في "جرمانا"، وعندما اكتشفوا أنه من حمص، وفق ما كان مكتوبا على بطاقته الشخصية، علقوه عاريا، وتعاملوا معه بشكل سيء، وأطفأوا السجائر في جسده، كما أحرقوا قدمه بأدوات لحام الحديد، ناهيك عن الأهانات والشتائم الدينية، وشتم الأهل، معتبرا أنها كانت لحظات صعبة، يتأثر بها ويكتئب عندما يتذكرها.
وعن الإحساس النفسي أثناء التعذيب، أعرب فراس عن وجود بسمة أثناء التعذيب، لأنه يضرب لقضية وطن، ولكن الأمر الصعب هو أن يضربه اخوه في الوطن، وابن بلده، من أجل نظام ورئيس، أو من أجل مصالح شخصية، او من أجل أموال، معتبرا أن هذا لا يكفي، من أجل قتل نفس بشرية.
ونفى أنه شاهد حالات اغتصاب لنساء في المعتقل، مرجعا أسباب ذلك، إلى أن محافظة دمشق تتمتع بتغطية إعلامية، تجعلهم يعزفون عن ذلك، إلا أنه سمع عن حالات في مناطق أخرى.
وكشف أيضا أن الخروج إلى الحمامات تكون مرتين يوميا، بعد الفطور صباحا، وبعد العشاء مساء، ويمنح كل معتقل خمسة عدات لكي ينهي قضاء حاجته، وإلا تكون عقوبته الضرب، فضلا عن أن تأثير الحالة النفسية للجلادين، التي قد تجعلهم يجبرون المعتقل على الذهاب إلى الحمام زاحفا، كما حصل معه، علاوة على أن الحمامات التي يستخدمها المعتقلون جميعا، كانت مزرية وقذرة.
وانتقد فراس الهيئات التي تقف مع السوريين، بأنها لم تساعده، ولم يسانده سوى أصدقاءه، ولم يسأل عنه أحد رغم وجوده خارج سوريا، موضحا أنه يشعر بعذاب نفسي، لخروجه من البلاد، لأنه من دون عمل، إنسان متعطل، لا يقدم للوطن شيئا، مضيفا أنه إذا لم يشعر بالراحة والأمان، سيعود ليموت على أرصفة بلاده.
هذا ويبلغ فراس من العمر 21 عاما، وهو يدرس الإخراج الفني، واضطر إلى ترك جامعته، بعد بداية الحراك الشعبي في سوريا.