14 مايو 2018•تحديث: 14 مايو 2018
العراق/ علي جواد وعارف يوسف/ الأناضول
لم يكن أشد المتشائمين في العراق يتوقع أن تتدني نسبة مشاركة الناخبين إلى أقل من النصف في أول انتخابات برلماني منذ هزيمة تنظيم "داعش" الإرهابي، أواخر 2017.
وجرى الاقتراع، أول أمس السبت، في أجواء آمنة إلى حد كبير، ولم تقع حوادث أمنية مؤثرة، لكن نسبة المشاركة بلغت 44.52%، وفق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
وهذه النسبة تمثل 10 ملايين و800 ألف ناخب أدلوا بأصواتهم في محافظات العراق الـ18، فضلا عن المغتربين، من أصل 24 مليون ناخب، من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 37 مليون نسمة.
ورغم تردي الأوضاع الأمنية، تجاوزت نسب مشاركة الناخبين في انتخابات أعوام 2006 و2010 و2014، الـ50%.
** عزوف "مبرر"
مثلت نسبة المشاركة المتدنية هذا العام صادمة بين السياسيين العراقيين، بعد حملات تحشيد قادتها الكتل السياسية، خلال دعاية دامت أكثر من شهر، لحث الناخبين على المشاركة.
ويعزو سياسيون عزوف الناخبين إلى إصابتهم بإحباط؛ بسبب ما عانوه طيلة حكم الطبقة السياسية الحالية، خلال الخمس عشرة سنة الماضية.
وقالت انتصار علاوي، عضو "ائتلاف الوطنية"، بزعامة رئيس الوزراء الاسبق (2004: 2005)، إياد علاوي، للأناضول، إن "جميع شرائح المجتمع العراقي شاركت في مقاطعة الانتخابات.. الجميع لديهم إدراك بأن إعادة انتخاب الوجوه ذاتها لن يغير من الواقع شيئا".
وأضافت علاوي أن "الشيء الذي لم نتوقعه هو العزوف عن المشاركة في الانتخابات وسط أجواء أمنية مستقرة".
واعتبرت أن "هذا العزوف مبرر، نتيجة الوضع المتردي، في ظل عدم وجود خدمات عامة وفرص عمل وآلاف النازحين".
** إعادة الانتخابات
ودفع تدني نسبة المشاركة "ائتلاف الوطنية" إلى المطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات، وإعادة إجرائها لاحقا، بسبب ما قاله إنه "عزوف الناخبين عن المشاركة فيها، وانتشار أعمال العنف والتزوير".
وأضاف الائتلاف، في بيان، أنه يدعو الى "إعادة الانتخابات، مع إبقاء الحكومة الحالية (برئاسة حيدر العبادي) لتصريف الأعمال، لحين توفير الظروف الملائمة لإجراء انتخابات تعبر عن تطلعات شعبنا الكريم".
ويضم "ائتلاف الوطنية" 26 حزبا وكياناً سياسياً، أبرزها حزب "التجمع المدني للإصلاح"، بزعامة رئيس البرلمان، سليم الجبوري، و"ائتلاف العربية"، بزعامة النائب السابق رئيس الوزراء، صالح المطلك.
** الحكومات المتعاقبة
والوجوه التي تتصدر المشهد السياسي في العراق هي ذاتها إلى حد كبير، منذ إسقاط نظام صدام حسين (1979: 2003)، حيث تسلمت أحزاب شيعية مقاليد الحكم وتشكيل حكومات قائمة على توزيع المناصب وفق محاصصة بين مكونات البلد العربي.
ومنذ ذلك الحين، يعاني العراق أعمال عنف واسعة النطاق ونزاعات طائفية وانتشارا للفساد وخدمات عامة متردية، وشهد حربا مع تنظيم "داعش"، الذي كان يسيطر على ثلث مساحة البلد العربي، استمرت ثلاث سنوات.
وقال علي العلاق، عضو "ائتلاف دولة القانون"، بزعامة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي (2006: 2014)، للأناضول، إن "سلوك بعض السياسيين، من برلمانيين ووزراء، ربما يكون سبب عزوف الناخبين، إضافة إلى دور بعض وسائل الإعلام السلبي، الذي كان يدفع إلى مقاطعة الانتخابات".
وتصور كثيرون أن العراقيين سيقبلون بكثافة على صناديق الاقتراع ليلقوا بحقبة "داعش" وراء ظهورهم، ويختارون نوابهم، على أمل تحسين أوضاعهم الأمنية والمعيشية، خلال الأعوام المقبلة.
** الدعاية الانتخابية
ويعكس تدني نسبة المشاركة استياء واسعا بين العراقيين وفقدانهم الأمل، على ما يبدو، في تغير الأوضاع القائمة.
وقال مصطفى جمال (36 عاما)، وهو موظف من سكان بغداد، للأناضول: "لم أشارك في الانتخابات، فالمشاركة لن تغير من الواقع شيئا.. الوجوه نفسها ستبقى في مناصبها وقد يحدث تبادل بسيط للأدوار، وهذا ما سمعته حتى قبل إجراء الانتخابات من سياسيين بارزين".
وأضاف جمال: "تابعت جميع برامج ودعايات الكتل السياسية، وهي الكتل ذاتها الموجودة في الحكومة أو البرلمان، وتتحدث عن محاربتها للفساد وتحسين واقع المواطن".
ومستنكرا تساءل المواطن العراقي: "أين كنتم (الكتل السياسية) طيلة 4 سنوات (؟!)، لماذا لم تحاربوا الفساد وتخدموا الشعب، أم هي فقط دعاية لكسب الأصوات (؟!)".
منير جبر ناخب آخر قرر الذهاب إلى المركز الانتخابي في منطقة الكرادة وسط بغداد، لكنه أتلف ورقة الاقتراع.
وقال جبر (33 عاما)، وهو عامل، للأناضول: "فرحت عند دخولي مركز الاقتراع في الكرادة، فقد كان مخصصا لتصويت 600 ناخب، لكن 13 ناخبا فقط شاركوا في الاقتراع، وهذا دليل على أن الجميع لايرغب في جميع الكتل المشاركة في الانتخابات، بغض النظر عن انتماءاتها".
** التصويت الإلكتروني
ويبدو أن أسباب تدني نسبة المشاركة لا تقتصر على استمرار الفاعلين السياسيين أنفسهم وفقدان ناخبين الأمل في تغيير الأواضع الراهنة.
وقالت عضو المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان (مرتبطة بالبرلمان)، فاتن الحلقي، للأـناضول، إن "المشاكل الفنية في الأجهزة الإلكترونية (الخاصة بالاقتراع) حرمت ناخبين من الإدلاء بأصواتهم".
وتابعت أن أن "المفوضية نشرت 600 من موظفيها في 14 محافظة، لمراقبة ورصد الانتخابات، وللأسف لم يتسطع نحو 50% من الناخبين في بعض مراكز الاقتراع من المشاركة، وعادوا إلى منازلهم بسبب مشاكل فنية في أجهزة الاقتراع والبطاقات (الإلكترونية الخاصة بالناخبين)".
وتنافس في هذه الانتخابات 7376 مرشحا، يمثلون 320 حزبا وائتلافا وقائمة، للحصول على 328 مقعداً في البرلمان المقبل.
وسيتولى البرلمان القادم انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يكلف مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عددا بتشكيل الحكومة المقبل، وفق الدستور العراقي.