Mustafa M. M. Haboush
28 يوليو 2026•تحديث: 28 يوليو 2026
إسطنبول/ الأناضول
خلال العقود الماضية، كثيرًا ما تم عرض العلاقة بين العراق وتركيا من زاوية الملفات التي تحتاج إلى إدارة؛ الأمن، والمياه، والتجارة، وحركة الحدود. لكن منطقتنا تقف اليوم أمام فرصة مختلفة، تفرض علينا أن ننظر إلى المستقبل بعين أكثر طموحا. فلم يعد السؤال كيف ندير التحديات المشتركة، بل كيف نحولها إلى فرص تصنع الازدهار لشعبينا.
إن العراق الذي أتوجه منه اليوم إلى أنقرة ليس العراق الذي عرفته المنطقة قبل سنوات. فقد اختار طريق الاستقرار والإصلاح والتنمية، وأعاد ترتيب أولوياته على أساس بناء اقتصاد قوي، ودولة فاعلة، وعلاقات خارجية متوازنة تجعل التعاون الإقليمي ركيزة للنمو، لا مجرد خيار سياسي.
وينطبق الأمر ذاته على تركيا، التي تمتلك قاعدة صناعية متقدمة، وموقعًا استراتيجيا، وخبرة واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل. وعندما ننظر إلى إمكانات البلدين معا، فإننا لا نرى حدودا مشتركة فقط، بل نرى مساحة واسعة لبناء واحدة من أهم الشراكات الاقتصادية في المنطقة.
العالم يعيد رسم خرائط التجارة وسلاسل الإمداد. والممرات الاقتصادية أصبحت عنصرًا رئيسيا في المنافسة الدولية. وفي هذا المشهد الجديد، يمتلك العراق وتركيا فرصة تاريخية لتحويل موقعهما الجغرافي إلى قيمة اقتصادية، تجعل منهما حلقة وصل بين الخليج وآسيا وأوروبا.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع طريق التنمية، الذي لا ننظر إليه كمشروع عراقيا فحسب، بل باعتباره مشروعا إقليميا يعيد تعريف مفهوم الربط الاقتصادي في الشرق الأوسط. فهذا المشروع لا يختصر الزمن لنقل البضائع فقط، وإنما يخلق مدنا جديدة، ومناطق صناعية، وفرصا استثمارية، وآلاف الوظائف، ويمنح المنطقة شريانا اقتصاديا جديدا يربط الموانئ بالأسواق العالمية.
ولا يمكن لأي شراكة استراتيجية أن تكتمل دون بيئة مستقرة وآمنة. لذا فإن العراق يؤمن بأن أمنه وأمن تركيا يتطلبان تعاونا وثيقا يقوم على الاحترام المتبادل للسيادة، ومواجهة الإرهاب، والجريمة المنظمة، فالتنمية لا تزدهر إلا في ظل الأمن.
كما أن المياه لم تعد قضية فنية فحسب، بل أصبحت قضية تنموية تمس مستقبل ملايين المواطنين. ومن هذا المنطلق، فإننا نتطلع إلى إدارة مشتركة لهذا الملف تقوم على المصالح المتبادلة، والتعاون العلمي، والاستثمار في التقنيات الحديثة، بما يحقق الأمن المائي والغذائي لشعوبنا.
إن الشرق الأوسط بحاجة اليوم إلى قصص نجاح جديدة، و العراق وتركيا قادران على تقديم واحدة من أهم هذه القصص إذا نجحا في الانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة التكامل الحقيقي. فكل استثمار مشترك، وكل مصنع جديد، وكل خط نقل، وكل مشروع للطاقة، سيكون استثمارا في استقرار المنطقة بأسرها.
إننا نؤمن بأن الاستقرار لا يمكن ان تحققه الصراعات، بل المشاريع المشتركة. ولا يصنعه التنافس بين الجيران، بل التكامل بينهم. وكلما نجحنا في بناء هذا النموذج، اقتربنا جميعا من شرق أوسط أكثر استقرارا ونموا وازدهار.