إسطنبول/ الأناضول
- لا يمكن منع الأزمات المالية ما لم يتم الانتقال إلى نموذج اقتصادي ومالي يضع العدالة والأخلاق ضمن أولوياته
- عندما نقول من الممكن إقامة عالم أكثر عدلا فهذا يعني أن البشرية ليست مرغمة على نظام واحد في الاقتصاد أو العلاقات الدولية
- يجب تكثيف الانتقادات والاعتراضات على البنية المالية العالمية الحالية وبذل المزيد من الجهود من أجل تفعيل بدائل ملموسة
- تبني المبادئ التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي وجعل هذا النموذج محورا ونقطة انطلاق من شأنه أن يسرّع الوصول إلى الأهداف المنشودة
ـ حجم المديونية العالمية بلغ 350 تريليون دولار في الربع الأول من 2026 ومدى استدامة هذا العبء من الديون يشكل سؤالا خطيرا ينبغي الإجابة عنه من أجل مستقبل الاقتصاد العالمي
- نهدف إلى طرح بنك إملاك كاتيليم للاكتتاب العام - خطوتنا التالية ستتمثل في دمج البنوك التشاركية "زراعات" و"وقف" و"خلق"
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن التمويل التشاركي يمثل "نموذجا أكثر عدلا وأمانا للعالم أجمع" وليس للمسلمين فحسب.
جاء ذلك في كلمة ألقاها، الجمعة، خلال مشاركته بالقمة العالمية الثالثة للاقتصاد الإسلامي، المنعقدة في مركز إسطنبول المالي.
وتحتضن إسطنبول القمة التي ينظمها منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي، خلال الفترة ما بين 3 و6 يونيو/حزيران الجاري.
وأشار الرئيس أردوغان، إلى أن العالم الإسلامي يخوض خلال السنوات الأخيرة صراعا متزامنا مع العديد من الأزمات على جبهات مختلفة.
وذكر أن المظالم التي ترتكبها إسرائيل في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ما زالت مستمرة رغم وقف إطلاق النار.
وقال أردوغان، إن "شبكة المجازر الصهيونية تواصل توسيع سياسة الاحتلال والاستيلاء التي تنتهجها بكل تهور، من جنوب لبنان نحو الأجزاء الداخلية لبيروت يوما بعد يوم".
وأكد أن الحرب في إيران لم تؤثر سلبا على الدول الشقيقة في الخليج فقط بل على العالم بأسره مع وصول حركة العبور في مضيق هرمز إلى مستوى التوقف.
وتابع أردوغان: "للأسف يتعرض مناخ الثقة والاستقرار في منطقتنا لمزيد من التدهور بفعل الحروب والأزمات والصراعات بين الأشقاء وحالة عدم اليقين".
ولفت إلى أن المرحلة الراهنة تشهد انكسارا عالميا، لا سيما في مجالي الاقتصاد والمال، حيث تكاد جميع الدول تشعر بالهزات بغض النظر عن مستوى تطورها.
وأوضح أردوغان، أن تقريرا نشره مؤخرا معهد التمويل الدولي يُظهر أن حجم المديونية العالمية بلغ 350 تريليون دولار في الربع الأول من عام 2026.
وشدد على أن مدى استدامة هذا العبء من الديون يشكل سؤالا خطيرا ينبغي الإجابة عنه من أجل مستقبل الاقتصاد العالمي.
وقال الرئيس التركي إنه لا يمكن معالجة الأمراض التي تتطلب جراحة بمجرد تضميد الجراح.
وأشار إلى أن النظام العالمي القائم أهدر بصورة غير مسؤولة العديد من الفرص خلال العشرين عاما الماضية.
وشدد على أن البنية المالية العالمية القائمة على الديون والفوائد فضّلت، بعد أزمة عام 2008، إخفاء المشكلة تحت السجادة من خلال إجراءات مسكنة بدلا من معالجة الأسباب الجذرية للأزمة.
وفي هذا الصدد، ذكر أردوغان، أنه "لا يمكن منع الأزمات المالية ما لم يتم الانتقال إلى نموذج اقتصادي ومالي يضع العدالة والأخلاق ضمن أولوياته".
وأردف: "ما لم تُحل هذه المشكلات الناشئة من صلب النظام نفسه، فلن نستطيع الإفلات من تكرار المشكلات ذاتها على فترات مختلفة".
وبيّن أردوغان، أن مقولة "العالم أكبر من خمسة"، التي يرددها في كل مناسبة، لا تشمل فقط الظرف الدولي الذي تُهمَل فيه القواعد والقيم، بل تشمل أيضا العلاقات الاقتصادية والتجارية القائمة على اللامساواة والاستغلال.
وأضاف: "عندما نقول من الممكن إقامة عالم أكثر عدلا، فنحن نؤكد كذلك أننا في الأسرة البشرية لسنا عاجزين ولسنا مرغمين على نظام واحد في الاقتصاد أو العلاقات الدولية".
ودعا أردوغان، إلى تكثيف الانتقادات والاعتراضات على البنية المالية العالمية الحالية، وبذل المزيد من الجهود من أجل تفعيل بدائل ملموسة.
وأكد أن تبني المبادئ التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي وجعل هذا النموذج محورا ونقطة انطلاق، من شأنه أن يسرّع الوصول إلى الأهداف المنشودة.
ولفت أردوغان، إلى أن "البركة، بحسب تعريف أستاذنا الراحل (رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين) أربكان، تعني الإيمان بأن ربح ليرة واحدة تم تحصيلها بطرق حلال أكبر من ربح ليرتين اختلطتا بالحرام".
وأضاف: "لذلك فإن البركة مفهوم لا يمكن فهمه من خلال نظريات الاقتصاد الرأسمالي. فحيث توجد الفائدة لا توجد البركة. وحيث يوجد الاستغلال والظلم والمنافسة غير الأخلاقية، لا توجد البركة".
وتابع: "كما أن البركة لا يمكن أن تجد لنفسها مكانا ضمن بيئة يُؤخذ فيها فقط بتعظيم الأرباح وجشع الاستهلاك، بينما يُستبعد منها الرفاه الاجتماعي والعدالة".
الرئيس أردوغان، أشار إلى أن الاقتصاد الإسلامي يتشكل حول قيم العدالة والأخلاق والفضيلة والإيثار وتقاسم المخاطر والاستدامة والرفاه الاجتماعي.
وشدد على أن الاقتصاد الإسلامي لا يستهدف التنمية الاقتصادية فقط، بل يهدف أيضا إلى تقوية النسيج الاجتماعي وحماية البيئة.
وأوضح الرئيس التركي، أن الاقتصاد الإسلامي "يراعي الإنفاق في سبيل الخير، والمساعدة، والتضامن، وحماية الفئات المحرومة ورعايتها".
وتابع: "من واجبنا، كمسلمين، أن نشرح هذه القيم جيدا لفاعلي الاقتصاد العالمي، وأن نعمل على تعديل النظام القائم وإصلاحه ومراجعته في ضوء هذه الخصال".
ولفت أردوغان، إلى أن "تحقيق ذلك يتطلب بالطبع أن نؤمن بمفهوم البركة إيمانا صادقا، والأهم من ذلك أن نعيش بأنفسنا الخصال التي تمثلها البركة ونحييها في بيوتنا وشوارعنا ومؤسساتنا التجارية".
وشدد على أن التمويل التشاركي جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الإسلامي، وأنه "نموذج أكثر عدلا وأمانا، ليس فقط للمسلمين بل للعالم أجمع".
وأوضح الرئيس التركي، أن التمويل التشاركي يشمل مجالات مثل الخدمات المصرفية، وأسواق رأس المال، والتأمين، وتمويل الادخار، والتمويل الاجتماعي.
وقال إنه يعتبر التمويل التشاركي بنية قوية يمكن أن تسهم في بناء الهيكل المالي العالمي الجديد، وعنصرا استراتيجيا من حيث التنمية الاقتصادية والاستقرار المالي في تركيا.
وذكر أردوغان، أن أحد الركيزتين الأساسيتين لمركز إسطنبول المالي هو التكنولوجيا المالية (Fintech)، والأخرى هي التمويل التشاركي، وهو ما يمثل دليلا واضحا على الأهمية التي توليها حكومته لتطوير هذا النظام.
وأضاف: "نبذل جهودا مكثفة لتحويل بلادنا إلى نقطة اتصال قوية تلتقي فيها الاستثمارات والإنتاج والأدوات المالية. وقد أطلقنا برنامج حوافز تنافسيا من شأنه زيادة جاذبية بلادنا للاستثمار، وذلك من خلال حزمة تشريعية شاملة دخلت حيز التنفيذ أمس (الخميس)".
وفي هذا الإطار، أشار أردوغان، إلى تمديد مدة تطبيق الخصم الضريبي بنسبة 100 بالمئة لغاية عام 2047 على الإيرادات التي تحققها مؤسسات التمويل التشاركي في مركز إسطنبول المالي من صادرات الخدمات المالية.
ولفت إلى رفع مدة الإعفاء من رسوم الأنشطة المالية من 5 أعوام إلى 20 عاما، وتفعيل مزايا ضريبية تشمل الإعفاءات من ضريبة المعاملات المصرفية والتأمينية، وضريبة الدمغة، والرسوم المختلفة، إضافة إلى مزايا ضريبة الدخل المخصصة للموظفين الدوليين ذوي الكفاءة العالية.
وأكد أردوغان، أن عدد المؤسسات العاملة بمجال التمويل التشاركي في تركيا، وكذلك حجم معاملاتها، يواصلان النمو بشكل منتظم.
وبيّن أن حجم الصيرفة التشاركية تجاوز 4.7 تريليون ليرة تركية (الدولار يعادل نحو 46 ليرة)، وأنها تواصل أداءها القوي برفع حصتها في القطاع إلى مستوى 9.5 بالمئة.
وأوضح أردوغان، أن هناك 10 بنوك تشاركية تمارس نشاطها في تركيا، ثلاثة منها رقمية، وأنها تواصل تعزيز مكانتها داخل النظام من خلال تنويع منتجاتها وخدماتها.
وقال إن هذه البنوك تقدم مساهمات مهمة للاقتصاد الحقيقي، وإن إصدارات الصكوك في أسواق رأس المال التشاركية بلغت أحجاما كبيرة.
وكشف أردوغان، أنه بحلول نهاية العام الماضي، وصل إجمالي قيمة إصدارات الصكوك إلى 614 مليار ليرة، وأن 64 بالمئة من هذا المبلغ تحقق من قبل وزارة الخزانة والمالية، بينما تحقق 36 بالمئة من قبل مؤسسات التمويل التشاركي والقطاع الحقيقي.
وأكد أنه في الفترة نفسها، ارتفعت إصدارات الصكوك الخاصة بالقطاع المالي غير المصرفي بنسبة حقيقية بلغت 33.3 بالمئة مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 16.6 مليار ليرة، ما يعني أن اهتمام القطاعين العام والخاص بأدوات التمويل التشاركي يواصل النمو.
وأشار أردوغان، إلى أن هذا المشهد يدل على أن الصكوك تواصل ترسيخ مكانتها كأداة تمويل بديلة في أسواق رأس المال.
وقال إن حجم صناديق الاستثمار في الأوراق المالية القائمة على مبادئ المشاركة ارتفع أيضا بنسبة حقيقية بلغت 47 بالمئة مقارنة بعام 2024، ليصل إلى 864 مليار ليرة مع نهاية عام 2025.
كما لفت أردوغان، إلى ارتفاع حجم صناديق التقاعد الاستثمارية القائمة على مبادئ المشاركة في الفترة ذاتها بنسبة 74 بالمئة ليصل إلى 798 مليار ليرة، وارتفاع القيمة الإجمالية لصناديق المؤشرات المتداولة القائمة على المشاركة بنسبة 128 بالمئة لتبلغ 239 مليار ليرة.
وتابع: "ارتفع إجمالي حجم أصول شركات تمويل الادخار العاملة وفق مبادئ المشاركة في بلادنا وعددها 9 بمقدار خمسة أضعاف مقارنة بما كان عليه قبل عامين، ليصل إلى 323 مليار ليرة".
وأردف: "خلال الفترة نفسها، ارتفع عدد المنضمين إلى نظام تمويل الادخار ثلاثة أضعاف، متجاوزا 1.2 مليون شخص. وفي الربع الأول من عام 2026، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للشركات المدرجة في مؤشر المشاركة 36 بالمئة من إجمالي القيمة السوقية لجميع الشركات المدرجة في بورصة إسطنبول".
وأوضح أن "4.4 ملايين مستثمر من أصل 6.3 ملايين مستثمر في بورصة إسطنبول، أي ما يعادل 69 بالمئة، استثمروا أيضا في الشركات المشمولة ضمن مؤشر المشاركة".
أما فيما يخص قطاع التأمين، قال أردوغان، إن الحصة السوقية الإجمالية لشركات التأمين التشاركي وعددها 5 شركات، بلغت 6.5 بالمئة في الربع الأول من العام الجاري، فيما بلغ إجمالي الأقساط التأمينية التي أصدرتها هذه الشركات 26 مليار ليرة.
وأكد أنه تم خلال الفترة نفسها استثمار 40 بالمئة من إجمالي أموال الصناديق، البالغة 2.3 تريليون ليرة، ضمن نظام التقاعد الفردي في صناديق قائمة على مبادئ المشاركة.
وأشاد أيضا بالدور الريادي الذي يقوم به صندوق الثروة السيادي التركي في هذا القطاع.
الرئيس أردوغان، شارك في كلمته أيضا خبرين قال إنه من شأنهما تعزيز قوة نظام التمويل التشاركي.
وذكر أن حكومته حولت عام 2018 "بنك إملاك"، أحد أعرق مؤسسات الجمهورية التركية، إلى بنك تشاركي، وأعادت إحياءه بما يتماشى مع أصله وروح التمويل التشاركي.
وأوضح أردوغان، أن البنك (اسمه الحالي إملاك كاتيليم) أصبح بفضل هذه الخطوة وخلال فترة قصيرة أحد أكثر الفاعلين ديناميكية في مجال التمويل التشاركي.
وتابع: "الآن نهدف إلى نقل هذا النجاح إلى مستوى أعلى، من خلال طرح (بنك إملاك كاتيليم) للاكتتاب العام. وبإذن الله، سنتيح في المرحلة المقبلة لمواطنينا فرصة المشاركة المباشرة في هذا النمو القوي".
وكشف أردوغان، أن الخطوة التالية لحكومته ستتمثل في دمج البنوك التشاركية "زراعات" و"وقف" و"خلق"، حيث ستنشأ طاقة تكاملية كبيرة مع توحيد قوى هذه البنوك، وسيكتسب القطاع دفعة جديدة وزخما أكبر.
news_share_descriptionsubscription_contact


