علاء أبو العينين
القاهرة – الأناضول
الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال، والرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، والقائد العام الأسبق للجيش المصري المشير عبد الحكيم عامر.. ثلاث شخصيات من بلدان مختلفة، رحلت عن عالمنا في توقيتات مختلفة، إلا أن الخيط الذي يربط بينهم هو رحيلهم في ظروف غامضة، وتصاعد مطالبات في الوقت الراهن بإعادة تشريح رفاتهم لكشف حقيقة وفاتهم.
البداية من مصر وبالتحديد في 14 سبتمبر/ أيلول 1967 عندما تم الإعلان عن وفاة المشير عبد الحكيم عامر، وقيل وقتها رسميًا إن الرجل أقدم على الانتحار بسبب حزنه على هزيمة حرب 1967 بين العرب وإسرائيل.
لكن هذه الرواية شككت فيها أسرة المشير، التي اتهمت الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر باغتيال عامر بالسم بعدما ظن أن الأخير يدبر لانقلاب عسكري.
ورغم أن ملف القضية لم يتم فتحه إلا على استحياء طيلة العقود الأربعة الماضية، فإن حالة الانفتاح التي أفرزتها ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 كانت دافعًا لإعادة القضية إلى بؤرة الاهتمام من جديد، حيث قامت أسرة المشير بتكليف أحد المحامين بهذا الملف.
وفي هذا الصدد، أعلن صلاح عامر، نجل المشير، في تصريحات صحفية أنه طالب النائب العام المصري بإصدار قرار بإعادة تشريح جثة والده لإثبات حقيقة وفاته، والتحقيق في اتهامه للرئيس عبد الناصر باغتيال والده.
وفي تصريحات نشرتها صحيفة "الأخبار" المصرية الخميس الماضي، كشف عماد الدين فصيح، محامي أسرة المشير عبد الحكيم عامر، عن رواية عائلة المشير لواقعة وفاته.
وقال إن "عبد الناصر أشرف على اغتيال عامر بعدما علم من بعض رجال المخابرات في الداخل وبعض سفراء الدول الأجنبية أن الأخير يدبر لانقلاب عسكري من خلال الاتفاق مع بعض أفرع الجيش".
وتابع المحامي: "قام أحد أطباء مؤسسة الرئاسة بحقن المشير قسرًا بالسم؛ مما أدى إلى وفاته في الحال، وهذا الطبيب هرب بعد الحادثة إلى إيطاليا وأمضى حياته هناك بعلم المخابرات المصرية، ولا نعلم هل توفي أو ما زال على قيد الحياة"، مشيرًا إلى أنه يمتلك أربعة تقارير طبية، تثبت أن المشير عامر مات مقتولاً قسرًا بالسم.
ومن عامر إلى الرئيس التركي الأسبق "تورغوت أوزال" الذي تم الإعلان عن وفاته فجأة يوم 17 أبريل/ نيسان 1993 وقيل وقتها إن وفاته طبيعية نتيجة لسكتة قلبية.
لكن شهر يونيو/ حزيران الماضي كان على موعد مع فتح ملف القضية من جديد؛ عندما أعلن "مجلس ديوان المحاسبة" في الجمهورية التركية عن بدء التحقيق في ملابسات وفاة "أوزال"، بناء على تعليمات من رئيس الجمهورية الحالي "عبد الله غل"، الذي تلقى طلبًا من أفراد أسرة الرئيس الراحل في لقائه معهم.
وتضمنت تلك التحقيقات استجواب شخصيات كانت مقربة من "أوزال"، إضافة إلى مسؤولين في الدولة شغلوا مناصب في تلك الفترة.
ومنذ ذلك التاريخ، شهدت القضية تطورات متسارعة، حيث قررت النيابة العامة التركية بالعاصمة أنقرة إعادة فتح قبر "تورغوت أوزال" وإجراء فحوصات على رفاته، في إطار التحقيقات التي تجريها، للتأكد من الشبهات التي تحوم حول وفاته.
ويوم الخميس الماضي، وصل طاقم نيابي، برئاسة النائب العام، لمدينة إسطنبول "أردوغان أوقطاي"، وأجرى فحوصات ودراسات في المقبرة حول الموضوع نفسه.
ويوم الجمعة الماضي، قام طاقم من إدارة المقابر، التابعة لبلدية إسطنبول التركية، بأخذ قياسات قبر "تورغوت أوزال" ثامن رئيس للجمهورية، في منطقة "توبكابي"، للاستعداد لإعادة فتحه.
ويأتي فتح قبر الزعيم التركي، لتشريح جثته للوقوف على أسباب وفاته؛ لأنها لم تُشرح عقب وفاته، ولم يبدِ أي شخص من المحيطين به أي اهتمام للكشف عن تلك الأسباب، الأمر الذي اعتبرته لجنة التحقيق التي تتولى القضية حاليًا "إهمالاً جسيمًا".
مطالبات تشريح رفات القادة والزعماء السابقين لم تتوقف عند هذا الحد، بل وصلت أيضاً إلى فلسطين؛ حيث تصاعدت أخيرًا المطالبات بإعادة تشريح رفات الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات وذلك بعد مرور نحو 8 سنوات على رحيله.
وتم إعادة فتح القضية بعد قيام قناة "الجزيرة" القطرية في يونيو/ حزيران الماضي بالكشف عن نتائج بحث استقصائي أجرته، وخلص إلى وجود آثار لمادة البولونيوم السامة في عدد من الأغراض والمقتنيات التي كان يستعملها عرفات عندما كان نزيلاً في المستشفى الفرنسي الذي توفى به واحتفظت بها أرملته إلى أن سلمتها لفريق الجزيرة الذي عرضها على مختبر علمي في سويسرا.
لكن القضية شهدت تطورات سريعة؛ حيث شكلت السلطة الفلسطينية لجنة للتحقيق في ملابسات وفاة عرفات برئاسة عبد الله البشير، فيما طالبت سهى عرفات، زوجة الرئيس الراحل، بإعادة تشريح رفات زوجها.
وفي الخامس من سبتمبر/ أيلول الجاري، أوصت لجنة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بمطالبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعها الحالي بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في أسباب وفاة عرفات.
وطالبت اللجنة في تقريرها المرفوع لمجلس وزراء الخارجية العرب بإعداد ملف وثائقي حول ملابسات وفاة الرئيس الفلسطيني وتكليف المجموعة العربية بإضافة بند على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة حول مقتل عرفات وإعداد مشروع القرار اللازم على أن يكون مختصرًا، ويركز على طلب تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للتحقق من أسباب الوفاة.
وكانت صحة عرفات قد تدهورت بشكل مفاجئ في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2004م أثناء محاصرة القوات الإسرائيلية للمقر الرئاسي في رام الله بالضفة الغربية، وظهرت أولى علامات التدهور الشديد لصحته في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2004، حيث أعلن أطباؤه إصابته بمرض في الجهاز الهضمي، قبل أن تتدهور حالته سريعاً في نهاية الشهر ذاته، ويتم نقله إلى فرنسا من أجل العلاج، وأعلنت السلطة رسميًا وفاته في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2004.
ولا زالت الأنظار تترقب ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج التحقيق في القضايا الثلاث، وما إذا كانت ستتضمن مفاجآت جديدة.