إيمان عبد المنعم
في طابق علوي ذي فرش فاخر وهواء مبرد، وجدت مني ضالتها هي وعشرات من الفتيات والسيدات مثلها ممن قمن في أول أيام الاعتكاف أو في العشر الأواخر من رمضان بجولة علي عدد من المساجد لمعاينته والتأكد أنه المكان الأنسب للاعتكاف في مثل هذه الأجواء الحارة التي لم تعتدها مصر.
وبعد ثورة يناير 2011، تزداد عامًا بعد عام بشكل ملحوظ أعداد السيدات في مصر اللاتي يسعين للاعتكاف خاصة أن هذه العملية أصبحت تتم بدون تصاريح أمنية وجهات رقابية خلافًا لما كان عليه الحال في عهد الرئيس السابق حسني مبارك.
مراسلة وكالة "الأناضول" قضت اليوم الأول مع الباحثات عن الاعتكاف حتي استقر المطاف علي مسجد الرواس في أحد أحياء القاهرة القديمة، فهذا المسجد متعدد الطوابق ومن المساجد القليلة التي خصصت عددًا من الأدوار للسيدات وجهزتها علي مستوي جيد.
مني ذات الـ ٢٥ ربيعًا حضرت مع صديقاتها الخمس بجانب أخواتها قادمات من أحد الأحياء الراقية، بعد جولة علي المساجد بدأت بمسجد حسن بالحي العاشر بمدينة نصر إلا أن اعتكاف الرجال طغى على المسجد وكذلك الحال في مسجد عمرو بن العاص الذي غلب عليه اعتكاف التيار السلفي رجالا ونساء، بينما كانت مظاهر العشوائية سببًا في رفض الاعتكاف داخل المسجد الزيني وكذلك الحسيني، كما أن مسجدي "الشرطة" و"الرحمن الرحيم" في شارع صلاح سالم كانا يشهدان حالة زحام شديد حتى انتهت رحلة البحث في مسجد الرواس في منطقة السيدة زينب.
الجميع ترك التزيّن وفضلن ارتداء العباءة الفضفاضة ذات اللون الأسود، هنا لا تستطيع أن تفرق بين غني أو فقير، سلفي أو إخواني، متعلم أو أمّي، ففي الركن البعيد تجلس السيدات الكبار علي المقاعد المخصصة لهن، بينما شددت أحد الحضور علي ضرورة استحضار النية وغلق الهواتف المحمولة.
البعض أحضرن بعض المياه والعصائر والتمر وأخريات قدمن حلوى للجميع خلال استراحة الصلاة، وبعد أداء صلاة العشاء والتراويح أخذن قسطًا من الراحة.
وعقب انتهاء التراويح انصرف عدد لا بأس به وبقي من اعتزمن الاعتكاف، وعلي الرغم من عدم وجوبه شرعًا للمرأة إلا أن بعضهن وجدن أنها فرصة للتقرب إلي الله واستغلال أجواء الثورة التي سمحت لهن بذلك.
ففي العهد السابق، كانت تغلق المساجد عقب كل صلاة وتمنع دروس النساء في عدد كبير منها وكان مسموحًا فقط للسيدات بإحياء ليلة القدر (عادة 27 رمضان في مصر) فقط في المساجد حتى الصباح.
في مسجد الرواس، قامت إحدى المصليات بمخاطبة الحاضرات اللاتي تجاوز عددهن الـ 50 وبعضهن اصطحبن أطفالهن.
وطالبتهن بالالتفاف في شكل حلقات علي أن تكون أكثر الفتيات حفظًا للقرآن في كل حلقة هي مَنْ تقوم بتلاوة بعض الآيات وتفسيرها أو رواية قصة من التاريخ الإسلامي.
ودام الحال حتي الواحدة حين أذّن إمام المسجد، معلنًا الاستعداد لصلاة التهجّد فكانت الأجواء أكثر هدوءًا بعدما نام الصغار وصارت الدموع السمة الغالبة علي الحاضرات.
وكان لافتا للنظر أن عددًا من المعتكفين من الرجال المقيمين في الدور الأول للمسجد شكلوا ما يشبه لجنة شعبية لحراسة المسجد حفاظًا علي المعتكفات.
وبعد الصلاة قامت إحدي الفتيات بالدعاء لشهداء الثورة وكذلك شهداء هجوم رفح علي الحدود المصرية الفلسطينية الذي راح ضحيته ١٦ جنديًا، كما كان للثورة السورية نصيب وافر من الدعاء ثم امتد ليشمل نصرة رئيس الجمهورية.
وحضرت إحدي السيدات ذات الملامح الأرستقراطية ومعها مجموعة من الحقائب.. كان طعام السحور الذي أحضرته لبناتها ولباقي المعتكفات في المسجد، وقامت بتوزيعه عليهن، ثم وقفت مطالبة الحاضرات بالدعاء للثورة التي أحْيَت المساجد ومنحت السيدات فرصة للتقرب من الله ومكثت مع الجميع حتي أدت صلاة الفجر.
يقول الشيخ محمد، إمام المسجد، لمراسلة "الأناضول": "أنصح دومًا السيدات بعدم الاعتكاف الكامل ولكن بأداء واجباتهن في المنزل من الفجر وحتي المغرب ثم إحياء الليل في المساجد".