أحمد زكريا
القاهرة ـ الأناضول
أمام لهيب النيران يجلس ممسكــًا بعصا معدنية مجوفة ينفخ من خلالها في الزجاج المنصهر فيتشكل حسبما يحلو لصانعه.
تتحرك يد صانع الزجاج المصري محمد الجندي بخفة ورشاقة، داخل ورشته بحي الحسين وسط العاصمة القاهرة، لاختيار الشكل الذي يريده للزجاج ولسان حاله يشكو تراجع الصناعة حتى باتت "آيلة للانكسار".
ويقول الجندي، لمراسل "الأناضول"، إن صناعة الزجاج تعاني من مشاكل عديدة تهدد بانقراضها في مصر، مطالبًا المسؤولين بأن ينظروا بعين الاهتمام لهذه المهنة، من أجل الحفاظ عليها وتطويرها.
ويلفت إلى أن العاملين في هذه الصناعة أعدادهم قليلة، ويجب الحفاظ عليهم من الاندثار.
ويرى الجندي أن ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 انعكست سلبًا على صناعة الزجاج، حيث كانت تسير بشكل جيد قبل اندلاعها، والآن تعاني حالة من الركود. ويضيف أن صناعة الزجاج في حي الحسين خاصة توقفت لمدة عام ونصف العام عقب الثورة؛ لأنها صناعة ترتبط بشكل مباشر بالسياحة التي تراجعت مع الثورة.
وتمر عملية تصنيع الزجاج، وفقــًا للجندي، بعدة مراحل، حيث يتم جلب الزجاج وتكسيره إلى قطع صغيرة توضع في الفرن حتى تنصهر، وأثناء الانصهار يتم استخدام عصا معدنية مجوفة لتشكيل الزجاج، وفق ما يريده الصانع.
ويشير الجندي إلى أنه يقوم بتصميم أشكال عديدة من الزجاج بناء على طلب الزبائن؛ فالعمل يدوي، ونقوم بتصديره في أحيان كثيرة إلى خارج مصر. ويوضح أن أكثر الأشكال التي يقوم بتصميمها عادة تكون لها علاقة بالآثار الإسلامية والفرعونية.
ويقول إنه سافر مع والده إلى إنجلترا قبل بضعة أعوام، تلبية لدعوة من جانب بعض السائحين الذين انبهروا بطريقته هو ووالده في صناعة الزجاج، فطلبوا منهما السفر إلى لندن لتعليمهم (السياح) هذه الصناعة. ويضيف أنه أمضى في إنجلترا نحو 6 أشهر نجح خلالها في تعليم عدد منهم المهنة حتى وصلوا إلى درجة احترافية.
ويمتد عمر صناعة الزجاج إلى مئات السنين، وقد اختلفت كتب التاريخ في تحديد تاريخ بدءها على وجه الدقة، فبعضها أرجعها إلى 1500 قبل الميلاد وآخرون قالوا إنها تعود إلى 2000 عام، وتعتبر مصر من أقدم الدول التي شرعت في صناعة الزجاج مع سوريا والعراق.
ويأتي تميّز مصر في صناعة الزجاج من طبيعتها البيئية، حيث توجد أنواع عديدة من الزجاج، مثل زجاج الصودا الذي يحتوي على أملاح وكربونات الصوديوم، والزجاج الرصاصي الكريستال، وزجاج الكوارتز الذي يحتوي على مادة السيليكا بنسبة 96%.
والمكونات الأساسية للزجاج هي السليكا المشتقة من الرمل والصوان والكوارتز. وتصهر السليكا في درجات حرارة عالية للغاية من أجل إنتاج زجاج السليكا المصهور. كما يتم إنتاج أنواع مختلفة من الزجاج باتحاد السليكا مع مواد خام أخرى بنسب مختلفة.
وخلال العصر الإسلامي، ازدهرت صناعة الزجاج، ولا سيما الملون منه، في القاهرة ودمشق، إلا أن هذا الازدهار تراجع مع الحملات الصليبية واجتياح المغول للعالم الإسلامي، وآنذاك بدأ تصدير هذه الصناعة إلى الغرب، بحسب مراجع تاريخية متطابقة.