إسطنبول/ خديجة الزغيمي/ الأناضول
يعود أصل المشاكل التي يعاني منها الشرق الأوسط وتركيا، إلى سياسة بريطانيا الفاشلة، التي قامت برسم حدود المنطقة بالمسطرة، بعد الحرب العالمية الأولى.
تسببت سياسة بريطانيا التي اعتمدت على النفط والتجارة والطرق المائية وإنشاء إسرائيل ودول تابعة لها، في معاناة المنطقة لمدة قرن من الزمن.
وعندما دخلت الولايات المتحدة الأميركية الساحة السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، واجهتها المنطقة التي تم ترسيم حودها بالمسطرة، والصراع العربي الإسرائيلي الذي بدأ مع إنشاء إسرائيل، وتسبب في تناثر الدماء. وكان الجميع ينتظر ما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة في المنطقة.
اتبعت الولايات المتحدة سياسة أكثر سوءا من السياسة البريطانية، لتصحيح الصورة المشوهة للمنطقة، وقامت تلك السياسة على قذائف الدبابات والطائرات.
وخلال الحرب الباردة، وفي أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، قامت الولايات المتحدة بإطلاق "نظرية الحزام الأخضر"، من أجل منع روسيا من الوصول إلى المياه الدافئة، وتسببت تلك النظرية في تغيير تاريخ المنطقة.
وقامت تلك النظرية على إعاقة روسيا من الوصول، عبر إيران وأفغانستان وباكتسان، إلى منطقة المياه الدافئة والنفط، وذلك من خلال توحيد تلك الدول المسلمة، وحصار روسيا من الجنوب.
ولتحقيق هذا الهدف تم إنشاء حلف بغداد، الذي ضم أولا تركيا والعراق، ثم انضمت إليه إيران وباكستان وبريطانيا، وقامت الولايات المتحدة بدعم وتمويل الحلف. وبالطبع اعتبرت الدول العربية، وعلى رأسها مصر، الحلف تهديدا لها، ولم تنضم إليه منها سوى العراق، الذي ما لبث أن انسحب من الحلف، بعد الانقلاب الذي شهده عام 1959، وبذلك فشل المخطط الأميركي قبل أن يبدأ.
بدأت الولايات المتحدة، بعد ذلك، في دعم عدد من المجموعات والجماعات، من أجل إبراز الإسلام، في مواجهة الشيوعية، في جميع الدول الإسلامية. ودشنت في ذلك الإطار، نشاطا مكثفا في العالم الإسلامي، وقامت بالتعاون مع الأنظمة الحاكمة، وتأمين دعم الجماعات والمجموعات الإسلامية، ومنحها فرصة النمو. وكان الهدف الأساسي من تلك الأنشطة التي بدأت في سبعينات القرن الماضي، هو تأمين قبول الشيوعية كعدو في العالم الإسلامي، وكان تحقيق ذلك أمرا سهلا.
وأدى الاحتلال الروسي لأفغانستان عام 1978، إلى توسع تلك الأنشطة الأميركية واكتسابها مشروعية. وقامت الولايات المتحدة بدعم المجموعات الإسلامية، حتى المسلحة منها، لاستخدامها في مواجهة روسيا، وهو ما سمح لحركة طالبان، وغيرها من مجموعات المجاهدين بالنمو.
وتعود المصائب التي يعاني منها الشرق الأوسط حاليا، إلى تلك الفترة، حيث خرجت بعض تلك المجموعات التي تم دعمها عن السيطرة، وبدأت تعمل ضد الدول التي تتواجد بها، وتطرفت بعض تلك المجموعات بشكل كبير.
ومع الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه، الحليف الأكبر للولايات المتحدة في إيران، انفجرت نظرية الحزام الأخضر فجأة، بين يدي الولايات المتحدة. وبسبب الذعر الناجم عن المفاجأة، دفعت الولايات المتحدة، العراق إلى مهاجمة إيران، ما أدى إلى تخريب التوازنات في المنطقة.
وكانت طالبان والقاعدة وحركة الشباب، من المجموعات التي أوعزت الولايات المتحدة إلى المخابرات الباكستانية بإنشائها، في إطار نظرية الحزام الأخضر، وتحولت فيما بعد إلى كوارث مسلطة على جميع دول العالم.
ولمواجهة تلك المجموعات التي تستخدم العنف، والتي ظهرت نتيجة للفشل الأمريكي، لجأت الولايات المتحدة لمشروع "الإسلام المعتدل"، وبدأت من أجل ذلك في دعم عدد من المجموعات التي تركز على الجانب الإنساني للإسلام، والحوار، والأخوة، والسلام.
وتجدر الإشارة إلى أنه تم تشجيع الإسلام المعتدل في تركيا، بعد الإنقلاب العسكري الذي تم بها في 12 سبتمبر/ أيلول 1980، وتم السماح لشخص واحد بالتحرك بحرية في الحياة الاجتماعية ، التي كان الآخرون ممنوعين من الحركة بها، وهذا الشخص هو "فتح الله غولان". وأنشأ فتح الله غولان جماعة من النادر أن يوجد لها مثيل، قامت بالعمل على نشر فكرة الإسلام المعتدل بنجاح كبير، ليس فقط في تركيا، بل في جميع أنحاء العالم.
وفي المحصلة، وبالنظر إلى الصورة الكاملة، فإن فشل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فاق الفشل البريطاني. فقد قامت الولايات المتحدة بشن حرب ضد القاعدة وطالبان الذين أنشأتهما بنفسها لمواجهة روسيا، واحتلت أفغانستان. وفي الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، تلقت الولايات المتحدة الضربة الكبرى من المخابرات الباكستانية التي كانت قد طورتها بنفسها. وشنت الولايات المتحدة حربا ضد العراق التي كانت قد دعمتها في حربها ضد إيران، وقامت باحتلالها.
ويظهر في الصورة الفاشلة التي رسمتها الولايات المتحدة للمنطقة، بسياستها القائمة على قذائف الدبابات والطائرات، ظهور مزيد من بحيرات الدم، وقتل عدد أكبر من البشر.