بيروت/الأناضول/ محمود صالح - بولا أسطيح - راح يركض بين أقرانه وسط الخيام المتزاحمة.. ينشب أصابع قدميه الصغيرين في قسمات الحقول المترامية.. غير آبه بالحصى أو الغصون الجافة التي تخدش جلدها الرقيق بين فينة وأخرى.. ولا بحرارة شمس أيار اللاهبة التي أسالت العرق على عينيه البريئتين.. تتعالى ضحكاته الطفولية غير مدركة لهموم اللجوء وأوجاعه التي تطارد الصغير محمد بن العامين، الذي هربت أسرته من المعارك المشتعلة في موطنه سوريا والتي ولدت تقريبا مع مولده.. فلم يعرف من وطنه سوى صوت الرصاص ودخان القذائف وصرخات الموت.
ومن ركن قصي تتحرك ذرات التراب تحت جسدها الزاحف في صمت مخيف صوب الصغير محمد.. تمسح عيناها المشقوقتان جسده الغض وبشرته البيضاء التي لوحتها الشمس.. تمني نفسها أن تنال منه ما يشبع جوعها الدائم للقتل.. وما تكاد تطمئن إلى وصولها لموقع يمكنها من فريستها، حتى تنقض الأفعى على جسد الصغير.. فتغرس أنيابها السامة في يده لتبث في عروقه لعابها القاتل..
ومع صرخة الألم التي حلت محل الضحكات في حلق الصغير محمد يقفز الوالد حافي القدمين خارج خيمته في منطقة السمونية بقضاء عكار شمال لبنان ليلبي صرخة الاستغاثة التي مزقت فؤاده.
حسن العلي والد محمد يروي لمراسلة الأناضول هذه اللحظات الأليمة قائلاً "عائلتنا مكونة من 8 أفراد، تركنا بلدتنا حلفايا في حماة (وسط سوريا) قبل 5 أشهر لننجو بحياتنا من المعارك المشتعلة، وتوجهنا صوب لبنان بحثا عن مأوى للجوء، ولكننا لم نجد مكانا يؤوينا إلا الحقول الزراعية في منطقة عكار، فنصبت خيمة بما توفر لنا من مواد لنتقاسم مع مئات ألسر السورية في هذه المنطقة أحلك الظروف المناخية والحياتية".
ويتابع في أسى غاضب "هذه المخيمات التي نقيم فيها تفتقر لحد أدنى من الظروف الطبيعية للحياة ما أدّى، ومع ارتفاع درجات الحرارة، لدخول الأفاعي والحشرات السامة إليها.. وكأنه لا يكفينا الذل الذي نعيشه، حتى لا تجد الأفعى إلا ابني محمد لتنقض عليه وتلدغه في يده..".
"ركضت به مباشرة بعد الحادثة إلى أقرب مستشفى في المنطقة وهي مسشتفى حلبا، فأخبروني بوجوب شقّ يده بعدما تورم جسده، فتم ذلك بالفعل، وبقي في المستشفى إلى أن تحسنت حالته قليلا فعدنا إلى خيمتنا من دون أن يتم إجراء عملية جراحية لإغلاق يده باعتبار أنّه كان يجب علينا أولا تأمين الأموال اللازمة لأن مفوضية شؤون اللاجئين تتعامل مع مستشفيات محددة ومستشفى حلبا ليست إحدى هذه المستشفيات"، يتابع الوالد المكلوم.
يقبض على دمعات تألقت بعينيه مانعا إياه من التحرر من قيود الجفون، ولكنه لم يتسطع أن يخفي المها الذي كلل قسمات وجهه وهو يحكي "بعد جهود كبيرة ومؤلمة تمكنت من تأمين مبلغ 2500 دولار لمعالجة يد محمد، وتأمين الحقن اللازمة للجرح، ولكنه لم تكفي لإتمام العلاج، واليوم بعدما فاق ديني هذا المبلغ لم يعد باستطاعتي استكمال علاج ابني، فلففتها بالضمادات بانتظار الفرج".
"اليوم عاد محمد إلى خيمته وهو يعاني من صعوبات صحية ومن ارتفاع دائم في درجات الحرارة واحتمال التهاب الجرح، وهو بحاجة ماسة لعملية جراحية عاجلة لإعادة تضميد الجرح الذي لا يزال مفتوحاً كما بحاجة إلى مراقبة صحية دائمة"، تتدخل حسناء والدة محمد للتأكيد على ختام الرواية، ربما إشفاقا على زوجها من إهانة روجلته بطلب المساعدة، وربما لمزيد من التأكيد على أن شفاء محمد هو أكثر ما يعنيهم بعيدا عن كل تفاصيل المعاناة التي صارت زادهم اليومي في مخيمات اللجوء.. وألف ربما أخرى تثور.. لا تعرف إجابتها إلا الوالدة التي تحتض صغيرها تسابق دموعها الكلمات.
وتضيف "يا ليتني مت وأولادي في سوريا أفضل ألف مرة قبل أن نلجأ إلى لبنان ونعيش عيشة الذل هذه .. أنا أرى أولادي يتوجعون أمامي وأنا عاجزة عن معالجتهم!"
ويتخطى عدد اللاجئين السوريين في لبنان، بحسب الموقع الرسمي لمفوضية شؤون اللاجئين، 490 ألف لاجىء منتشرين في المناطق اللبنانية كافة.